آخر التدوينات :

الزّينة والجمـال  في الإسـلام

بقلم: أ. الأمين الكحـلاوي

 

مقدمة:

إنّ الجمال سرّ هذا العالم وجزء من بنية هذا الكون، وهو جانب أصيل في النّفس الإنسانية. ولو تأمّل الإنسان جيّدا من حوله لاستشعر الجمال في كل شيء. فهو الذي يضفي على الحياة معنى ويرغّب الإنسان فيها فيزداد بها تعلقًا وتنشط ملكاته، ويرتفع عنده مستوى الأمل . وقد أولى الإسلام اهتمامًا بالغًا بالزينة والجمال. ويتجلّى ذلك في  ستّ وأربعين آيةً من سور القرآن الكريم[1] .وقد دعا الله عزّ وجل الإنسان إلى التأمّل في هذا الكون وزينته وبهجته .فالزينة معراج للإيمان وطريق من طرق الاستدلال على جلال الخالق وعظمته.

 

في معنى الزينة

ولفظ “زين” في لسان العرب لابن منظور خلاف الشّين والزّينة اسم جامع لما يتزين به[2]. ويذكر الرّاغب الأصبهاني قائلاً “الزّينة الحقيقيّة ما لا يشين الإنسان في شيءٍ من أحواله في الدّنيا ولا في الآخرة، والزّينة بالقول المجمل ثلاث: زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة، وزينة بدنيّة كالقوّة وطول القامة، وزينة خارجيّة كالمال والجاه”[3].

 

ولسائل أن يسأل لم هذا الاهتمام بالزّينة؟ ألم تقترن في أذهان الكثيرين بالغواية والإضلال والغرور واللهو والمُتع المحرّمة التي تصدّ عن ذكر الله ؟ والقرآن يرد على هذا التصور بقوله”قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ  كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”[4].

 

فاللّه لم يذم الزّينة في ذاتها وإنما ذمّ الذين أخذوا الزّينة فخرًا وخيلاء واستكبارا في الأرض. يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسير الآية نفسها: “إذ وفق المؤمنون لما استعدّوا لقبول دعوة رسوله فاتّبعوه، فمتّعهم بجميع الطيبات في الدنيا غير محرومين من شيءٍ إلاّ أشياء فيها ضرّ علمه الله فحرّمها عليهم”[5].

إن الله عزّ وجلّ لم يبثّ هذا الجمال في الكون عبثًا  وإنّما لينبّه العقل البشري إلى أنّ الزّينة هي أحد مداخل الإيمان إذ يقول الله عز وجل في سورة الحجرات   الآية 7 ” وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ”.

و يقول  النّبي صلى الله عليه وسلم :” … إن الله جميل يحبّ الجمال”[6].

 

شمول معاني الزّينة

لقد تمّ تناول موضوع الزّينة والجمال من قبل كثير من الباحثين والمفكّرين أمثال الدّكتور محمد عمارة والدّكتور عبده زايد والكاتبة وفاء محمد عزّت الشّريف وصالح أحمد الشّامي وغيرهم كثير. إلاّ أنّني حاولت أن أنظر إلى المسألة من جهة علاقتها بالمهمّة التي كلّف بها الإنسان ألا وهي الاستخلاف، ولن ينجح المسلم في هذه المهمّة إلاّ إذا عمّر الكون وفق قيم الاستخلاف المبثوثة في القرآن الكريم، ومنها قيمة الزّينة في معناها الواسع حين تصير الحياة جميلةً أكثر من خلال الاختراع والإبداع والصناعات وتحقيق التقدم والتّطور. وفي هذا يقول الدّكتور عبد المجيد النّجار:” ألا ترى  أنّ التّمتع بما هو مشروع من الزّينة ملبسًا وطيبًا وتأنقّا في المسكن والمركب وبشاشة الوجوه عند التّلاقي، وتخطيط المدن وتزيينها بالحدائق الناضرة يضفي على الحياة الفرديّة والاجتماعية مسحةً من الجمال يشيع في النّفوس البهجة والرّاحة والاطمئنان”[7].

 

ونظرت إلى المسألة من جهة اتّزان هذا الكون واعتداله  من خلال اختلاف ألوانه وتناسقها،  فهو كون متوازن ظاهرًا وباطنًا. وليست  الزّينة إلا جانبًا مهمّا من هذا الاتّزان، يقول الله سبحانه في سورة الملك  الآية 3: “ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍۢ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٍۢ ۖ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍۢ”، ففي بناء السّماء إحكام ودقة وانتظام بديع، وزينة للنّاظرين، ويقول السعدي في تفسيره للآية 24 من سورة يونس وهو قوله تعالى “حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ“، أي تزينت في منظرها واكتست في زينتها فصارت بهجة للناظرين ونزهة للمتفرجين وآية للمتبصرين فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين اخضر وأصفر وأبيض وغيره”.[8]

 

وما لم ندرك هذه الزّينة لن نستكمل وظيفة الاستخلاف ونكون قد حرمنا أنفسنا من التّمتع بهذه الزّينة والاستفادة منها. فاللّه أخرج هذه الزّينة لعباده ليتنعّموا بها على الوجه المطلوب، فما عليهم إلاّ أن يصلوا إلى هذه الزّينة كي يستفيدوا منها ويوظفوها في ما ينفع ضمن  الحدود الشرعيّة ، وإلا صارت قرينة الفساد مثلما حصل مع قارون حينما خرج على قومه متفاخرًا بزينته، فقال تعالى  في سورة القصص الآية 81: “فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ”.

 

وما لم ندرك هذه الزّينة ونلمسها في حياتنا اليوميّة لم ندرك بعد قيمة هامّةً من قيم الكون وتجليًّا  من تجليات القدرة الإلهية، فصار واجبًا علينا أن ندرك هذه الزّينة ونقدّمها للعالم من باب التبليغ لتحقيق النفع في الدّنيا والآخرة والارتقاء بالإنسان حضاريًّا .يقول الدّكتور محمد عمارة: “فليست المنفعة المادّية وحدها هي الغاية من هذا الخلق والتسخير، وإنّما الجمال والزّينة أيضا غايات يتغيّاها الإنسان في هذا الخلق الذي خلقه الله”[9].يقول  صالح أحمد الشامي: “والظّاهرة الجماليّة لا تستمد وجودها من الفلسفة وإنّما من المنهج الإلهي”[10].

 

والحياة التي يحثّ عليها الإسلام ويدعو إليها لا تقتصر على جانب واحدٍ في حياة الإنسان، بل هي رؤية وفلسفة تشمل الفكر والاعتقاد والسّلوك والقول والعمل واللّباس وغير ذلك، فتبسّمك في وجه أخيك صدقة تبعث في نفسه الطمأنينة والبشاشة.

وكذلك أمرنا الإسلام  بإتقان العمل والإحسان عند الذبح والإحسان إلى الآخرين وخاصة الوالدين. قال تعالى  في سورة النّحل   الآية 128″إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ”.

 

والإحسان من الحسن، وهو الجمال في أكمل تجلّياته وهو شامل لكلّ شيء. أما مجالات الجمال التي شملها القرآن فعديدة :

ولعلّ أول مظاهر الجمال هو القرآن نفسه، حيث ذهب كثير من البلاغيّين إلى أن إعجاز القرآن كامن في نظمه، يقول أبو سليمان الخطابي عن جمال القرآن: “واعلم أن القرآن إنّما صار معجزًا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف… إضافة إلى ما تضمّنه من مشاهد ولوحات جميلة يصوّر فيها المعاني بأبلغ الأساليب”[11]،  تراها العين عندما ينطق بكلماتها اللسان. وقد حوّل القرآن كثيرًا من المعقولات إلى لوحات فنية جميلة من خلال التشبيه والاستعارة. وكذلك تكمن الزّينة في تجويد القرآن وحسن ترتيله، وتصبح التلاوة وفق قواعد التجويد مطلبًا شرعيًّا تعبدّيا يجلب الخشوع. و عن أبي داود أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “زيّنوا القرآن بأصواتكم”، وقال أيضا “لكلّ شيء حلية وحلية القرآن حسن الصوت”[12].

 

زينة الكون والطبيعة:

لا يخفى على أحد ما للكون المنظور من جمال الزينة والتناسق البديع والانتظام الدقيق في الحركة والسباحة في الكون واختلاف الألوان والأحجام والأشكال  وما بينها من تناسب يدل على المبدع الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه على أكمل وجه ويقول في هذا الصدد الكاتب صالح أحمد الشامي: “الطبيعة هي الميدان الفسيح لعالم الجمال يمكث في مدرستها يتعلّم فيها دقّة الملاحظة حيث التّفريق بين المتقارب من الألوان والأشكال، وكذا التّمييز والمقارنة بين الظلال والحجوم ومعرفة العلاقة في التّناسب والتّوازن فيما يقع تحت بصره أو تحت سمعه”[13].

 

ويقول أحمد أمين: “ما الدّنيا إذا فقدت الجمال وفقدنا شعورنا بالجمال؟ إنّها إذن لا تستحق الحياة فيها ساعة، فما يقومها ويجعلها تستحقّ البقاء إلاّ أن كلّ شيءٍ فيها مزج قصد النّفع منه بقصد التّجميل”[14]. ويظهر ذلك في النّجوم مثلاً فهي زينة ورجوم للشّياطين وعلامات يهتدي بها الإنسان في ظلمات البرّ والبحر، قال تعالى في الآية 6-9 من سورة الصّافات “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ”.

 

وتقول في هذا السّياق وفاء محمد عزت الشّريف: “فلولا النجوم لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة وهذا ما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها والنظر في معانيها والاستدلال بها على باريها”[15]. فالزّينة وتناسقها وانتظامها مدخل من مداخل التّوحيد. ويظهر الجمال للنّاظرين جليًّا أمام أعينهم على الأرض التي يعيشون فيها، فقال في سورة الكهف، الآية7: “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا “.

وأنبت فيها من كل زوج بهيج متعة للناظرين وآية للعالمين ومنفعة للخلق أجمعين فقد قال النّبي صلى الله عليه وسلم :”إنّ الدنيا خضرة حلوة والله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون”[16].

 

زينة الحيوان:

لم يكن الحيوان بدعًا من الخلق، فقد شملته الزّينة في أبهى معانيها. ونلحظ ذلك في الطيور واختلاف  أشكالها وتعدّد ألوانها، وكذلك سائر الحيوان فجمع بين الزينة والنفع. ويتجلّى ارتباط الجانب الجمالي بالجانب النّفعي ارتباطًا وثيقًا في قوله تعالى متحدّثا عن الخيل والبغال والحمير، فهي للرّكوب وللزّينة وتحمل الأثقال إلى بلد لم نكن  بالغيه إلا بشقّ الأنفس، فقال سبحانه في الآية الثامنة من سورة النّحل:”وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ“.

 

وقال أيضا  في الآية 6 من سورة النحل:”وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ“، ويتجلّى جمال الحيوان في قطعان الماشية غاديةً ورائحةً   ورد في  صفوة التفاسير للصابوني قوله :” لكم في هذه الأنعام والمواشي زينة وجمال حين رجوعها عشيا من المرعى وحين غدوها صباحًا لترعى جمال الاستمتاع بمنظرها صحيحة سمينة فارهة “[17].

 

وقال كذلك في  معنى الآية: “فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (سورة ص،  الآية32)،قوله :” أي آثرت حبّ الخيل حتّى شغلتني عن ذكر الله، فتشاغل بحسنها وجريها حتّى غابت الشّمس”[18].ولولا تأثير جمالها فيه لما شغلته عن ذكر الله . والعرب يعنون بتربية الخيل والإبل للغزو والتّجارة والرّكوب والخدمة، ويقول صلى الله عليه وسلم :”الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، وهي لرجلٍ أجر ولرجل ستر وجمال …”[19].

 

زينة النّساء:

خلق الله المرأة وزيّنها بزينة تكمل حاجة الإنسان الغريزيّة في إطار تلبية متطلبات الفطرة البشريــة والغريزة الجنسيّة ليحصـل التّوازن بين الرّجـل والمرأة، إذ قال تعـالى في ســورة آل عمران الآية 14 : “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ  ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ”.

 

فالشّهوة الدافعة للزّواج تثيرها زينة المرأة وجمالها، ومن بين ما تنكح المرأة من أجله الجمال، ولولا هذه الشّهوة التي مبعثها أساسًا الجمال ما رغب رجل في امرأة فينقطع بذلك النوع البشري. والتّمتع بهذا الجمال والزّينة جعل له الله عز وجل ضوابط شرعيّة وطرقًا نظيفة تصرف من خلالها تلك الشّهوة. فأمر المسلم بغضّ البصر وحثّه على الزّواج .وحرم عليه كلّ العلاقات الجنسية خارج إطار الزّواج الشّرعي، قال تعالى في سورة النّور  الآية 30″ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ “.

 

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حبّب إليّ من دنياكم النّساء والطيب وجُعلت قرّة عيني في الصلاة”، رواه النسائي. فالجمال يحرّك الوجدان فتنفعل الجوارح ويهتز الكيان فينزع الإنسان إلى الفعل، كالوردة الجميلة تعجبك فتجنح لنزعها وامتلاكها، يقول أحمد أمين: “فلولا الجمال  والشّعور به لبقيت الكهوف والمغارات مساكن الإنسان الآن…ولولا الجمال ماكانت الحدائق والبساتين، ولولا الجمال لاختفى كل فنّ…”.[20]

 

زينة الهندام :

حبّب إلى النّبي صلى الله عليه وسلم اللّباس الأبيض والطيب فقال :”البسوا من ثيابكم البياض فإنّها من خير ثيابكم، وكفّنوا بها موتاكم”[21]. وكذلك حثّ الإسلام على الطّهارة والنّظافة في الملبس والبدن والمكان، وجعل الطهارة شرطًا لصحّة الصّلاة والطّواف،وأمر بالاغتسال من الجنابة والاغتسال لصلاة الجمعة والأعياد، وأمر بخصال الفطرة كالختان والاستحداد ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقصّ الشّارب. قال صلى الله عليه وسلم :”إن الله تعالى طيّب يحبّ الطيب، نظيف يحب النّظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود”[22]. وقد ثبت اليوم وتأكد أن من أسباب انتشار مرض كورونا في العالم هو تناول المحرمات والخبائث وعدم الالتزام بالنظافة وما نلاحظه هذه الأيام من حملات النظافة والتعقيم دليل على قيمة ما أمر الله به من المحافظة على النظافة في كل شيء.

 

وجاء رجل ثائر الشّعر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإصلاح شعره، ففعل فقال النبي صلى الله عليه وسلم :”أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنّه شيطان”[23].   وكذلك من زينة الإنسان المعنوية الصدق والكلام الحسن وتطابق الظاهر مع الباطن في انسجام وتكامل واتزان في الشخصية .قال تعالى في الآية (18) الزمر الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ “

 

والتّجمل المطلوب هو جمال لا يتنافى مع أنوثة المرأة، ولا يتنافى مع رجولة الرّجل، ولذلك حرم الإسلام تشبّه الرّجال بالنّساء، أو تشبه النّساء بالرّجال فلا بدّ من تحقيق التوازن في الأخذ بالزّينة محافظة على الفطرة من أن تفسد ويتغير خلق الله عز وجل وتتعطل بذلك وظيفة الإنسان بكونة خليفة لله في أرضه بما تقتضيه أوامر الله وأحكامه المنزلة في  القرآن العظيم الداعية الإنسان إلى الرقي وتسخير الكون لفائدة رفاهه ونفعه في الدنيا يقول أحمد أمين: “إن ﺗﻘﺪم اﻹﻧﺴﺎﻧﻴّﺔ ﰲ المدنية واﻟﺤﻀﺎرة واﻟدﻳﻦ واﻟﻌﻠﻢ واﻻﺧﱰاع واﻟﺨﻠﻖ، ﻳﺪﻳﻦ ﻟﻠﺸّﻌﻮر ﺑﺎﻟﺠﻤﺎل أﻛﺜﺮ ﻣﻦ أيّ ﳾء آﺧﺮ، فلولاه ﻣﺎ ﺗﺤﺮّر اﻹﻧﺴﺎن ﻣﻦ ﺳﻴﻄﺮة اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ ﻋﻠﻴﻪ، ذﻟﻚ أﻧّﻪ لما  اﺳﺘﻴﻘﻆ ﰲ ﻧﻔﺴﻪ اﻟﺸّﻌﻮر ﺑﺎﻟﺠﻤﺎل ﻧﻈﺮ إﱃ اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺣﻮﻟﻪ ﻧﻈﺮة ﻋﺠﺐ وإﻋﺠﺎب، ﻓﻜﺎن ﻫﺬا ﻣﻔﺘﺎح ﺑﺤﺜﻪ، وﻣﻔﺘﺎح ﻋﻠﻴّﻪ، وﻣﻔﺘﺎح ﻓﻚ اﻟﻘﻴﻮد اﻟﺘﻲ ﻗﻴﺪﺗﻪ ﺑﻬﺎ اﻟﻄﺒﻴﻌﺔ، ﺑﻞ وﻣﻔﺘﺎح ﺗﺤﺮّره ﻣﻦ اﻟﻘﻴﻮد اﻟﺜﻘﻴﻠﺔ اﻟﺘﻲ قيده ﺑﻬﺎ اﻟﻨﻈﺎم اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﻣﻦ اﺳﺘﺒﺪاد وﻇﻠﻢ واﻋﺘﺴﺎف”[24].

 

وذم الله عز وجـــل الزّينة الخادعـــة الموهــومة التي تصـد عن ذكر الله وتطمـس الحقائق فقال في ســورة العنــكبوت الآية 38:”وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ “. فإذا اقترنت الزّينة بالبغي والعدوان صارت مصدر فسادٍ وإفساد في الأرض فيختلّ التّوازن في العلاقات الاجتماعيّة.

 

الهوامـــش: 

[1]فؤاد عبد الباقي المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطبعة دار الكتب المصرية القاهرة 1945م ، ص 335 – 336.

[2]ابن منظور،  لسان العرب ،    المجلد 13 دار صادر بيروت د.ت ص20.

[3]الراغب الأصبهاني،  مفردات ألفاظ القرآن،  تحقيق صفوان عدنان داوودي، دار القلم ط 4   دمشق   2009م،  ص. 388.

[4]سورة الأعرف: الآية 32.

[5]محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير،  ج 9، الدّار التونسية للنشر، تونس 1984. ص 96.

[6]رواه  الإمام مسلم في صحيحه، ص 93 ج 1؛ صحيح مسلم،  دار طيبة  للنشر والتّوزيع،  الرياض  2006.

[7]عبد المجيد النّجار،  مقاصد الشّريعة بأبعاد جديدة، دار الغرب الإسلامي، بيروت  2012، ص. 49.

[8]  عبد الرحمان بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنان، ط 1 ج 3 ، دار ابن الجوزي للنّشر والتّوزيع، الرياض  1422 هـ،  ص 160.

[9]محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، دار السّلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة  مصر ، 2008  .ص. 182.

[10]صالح أحمد الشامي، ميادين الجمال في الظاهرة الجماليّة في الإسلام، الطبعة الأولى، المكتب الاسلامي، بيروت 1988 ، ص. 7.

[11]أبو سليمان الخطابي، بيان إعجاز القرآن ، دار المعارف مصر، ط  3سنة   1976م . ص. 27.

[12]فوائد ابن حبّان.

[13]صالح أحمد الشامي، مرجع سابق، ص. 69  .

[14]أحمد أمين، فيض الخاطر،  الجزء الخامس، مقال بعنوان تقدير الجمال الطبعة 7، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة1983،  ص. 107.

[15]وفاء محمد عزت الشريف، الزينة مفهومها وأحكامها الدنيوية في القرآن الكريم، دار عمار للنشر والتوزيع،  مصر   2003 م.

[16]رواه البخاري، الجزء الخامس.

[17]   محمد علي الصابوني، صفوة التّفاسير، الجزء الثاني ، دار ومكتبة الهلال بيروت 2002   ص. 111.

[18]محمد علي الصابوني، صفوة التّفاسير، الجزء الثالث، دار ومكتبة الهلال بيروت 2002   ص. 51 .

[19] أبو الحسين مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم،  باب كتاب الإمارة ج 13 ،  دار طيبة  للنّشر والتوزيع  الرياض  2006.

[20]احمد أمين، فيض الخاطر، الجزء 5 ، الطبعة 7 ، مؤسسة هنداوي للتّعليم والثقافة، القاهرة1983،  ص. 107.

[21]رواه أبو داود والنسائي والترمذي.

[22]أخرجه الترمذي.

[23]موطأ الإمام مالك، الجزء 4، دار إحياء العلوم بيروت 1994،  ص. 535،

 [24] أحمد أمين، فيض الخاطر،  الجزء الخامس، الطبعة 7، مؤسسة هنداوي للتّعليم والثقافة، القاهرة1983، ص 109.

 

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم.
  • كتب السّنة وشروحها.
  • محمد الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، الجزء 9 تفسير سورة الأعراف، ، الدّار التونسية للنشر تونس 1984.
  • محمد علي الصّابوني، صفوة التّفاسير، طبعة خاصة، دار ومكتبة الهلال، بيروت ، 2002.
  • ابن منظور، لسان العرب، المجلد 13، دار صادر بيروت د.ت ص20
  • الراغب الأصبهاني، مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، الطبعة 4، دمشق، 2009 م
  • الدكتور عبد المجيد النجار، مقاصد الشريعة بأبعاد جديدة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 2012م.
  • محمد عمارة، معالم المنهج الإسلامي، دار السّلام للطباعة والنشر والتّوزيع والتّرجمة، مصر ، 2008.
  • أبو سليمان الخطابي، بيان إعجاز القرآن الخطابي، دار المعارف، الطبعة 3،مصر
  • صالح أحمد الشامي، ميادين الجمال في الظاهرة الجماليّة في الإسلام، طبعة أولى المكتب الاسلامي، بيروت 1988.
  • أحمد أمين، فيض الخاطر، الجزء الخامس، الطبعة 7، مؤسسة هنداوي للتّعليم والثقافة، القاهرة1983 .
  • وفاء محمد عزت الشّريف، الزّينة مفهومها وأحكامها الدّنيوية في القرآن الكريم, دار عمار للنّشر والتّوزيع، مصر
  • الإمام مالك بن أنس، الموطأ، الجزء الثاني، دار إحياء العلوم، بيروت 1994 .
  • محمد فؤاد عبد الباقي، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مطبعة دار الكتب المصرية، القاهرة 1945م.
  • عبد الرّحمان بن ناصر السّعدي، تيسير الكريم الرّحمن في تفسير كلام المنان، ط 1 ج 3، دار ابن الجوزي للنّشر والتوزيع، الرياض 1422هـ.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet