آخر التدوينات :

حول كتاب “رحلة عظم زاده صادق باشا المؤيد إلى صحراء إفريقية الكبرى”

عرض: داليا سليمي

تقديم

نحن بصدد دراسة كتاب ينتمي إلى صنف كتب الرحلات لمؤلفه صادق باشا المؤيد هو صادق باشا بن صالح أزدشير بك بن مؤيد باشا من أصول دمشقية، ولد في دمشق ودرس بلبنان، ثم بعد ذلك تخصص في المجال العسكري بالمدرسة الحربية العثمانية في الآستانة أين تخرج منها برتبة ملازم، ثم أخذ يتدرج في المراتب العسكرية إلى أن بلغ رتبة فريق أول في الجيش العثماني، كذلك درس ببرلين وسافر عدة مرات إلى أوروبا.

 

تقلد العديد من المناصب، في البداية فتم تعيينه في رتبة ياور[1] للسلطان عبد الحميد الثاني سنة 1300 هـ. ثم في مرحلة ثانية تم تعيينه مفوضًا للحكومة العثمانية لدى بلغاريا قبل استقلالها، كما عين واليا على محافظة جدة بعد إعلان الدستور.

كان السّلطان العثماني يعتمد عليه في العديد من المهمات، حيث وجهه إلى الإمام محمـد مهدي السنوسي في مهمة سياسية مرتين الأولى في جغبوب والثانية في الكفرة في الصحراء الكبرى، والتي من خلالها كتب المؤلف عن يومياته في هذه الرحلة سنة 1318 هـ باللغة التركية وترجمه إلى العربية جميل بك العظم تحت عنوان “رحلة حضرة صاحب السّعادة عظم زاده  باشا المؤيد إلى صحراء إفريقية الكبرى”. طبع بمطبعة طاهر بك صاحب جرائد المعلومات بدار الخلافة سنة 1318 هـ. يحتوي هذا الكتاب على 68 صفحة من الحجم المتوسط، وكتب بخط واضح ومفهوم تتخلّلته بعض الكلمات العثمانية، ولم يقع نشره سابقًا.لم يضع المؤلف تقسيما محدد لهذا الكتاب، لكننا من خلال هذه الدراسة سوف نقسمه إلى ثلاثة محاور:

 

1- وصف رحلة جغبوب

تحدث المؤلف في هذا الجزء عن صدور أمر تكليفه من السلطان العثماني بالتوجه إلى الإمام محمد المهدي السنوسي إلى “كفرة” الواقعة في وسط صحراء إفريقيا الكبرى وجنوب بنغازي. وتعد هذه الرحلة الثانية بالنسبة إلى المؤلف. وكانت رحلته الأولى سنة 1302 هـ إلى جغبوب والتي خص هذا القسم في وصفها والتحدث عنها.

 

ذكر أهم المستلزمات التي حملها معه من زاد وآلة تصوير ومجموعة من الأدوية. ثم قدم صورة للقارئ حول قبائل العرب المتمركزة في الصحراء الكبرى والتي يمر بها المسافر من خلال عاداتهم الغذائية وطرق تحضير الأكل وحفظهم للماء.

 

وعند رحلته من استانبول إلى بنغازي في الرحلة الثانية قصد توجهه إلى كفرة، سرد لنا المؤلف هذه الرحلة والتي دامت يومين على متن الباخرة. عند وصوله إلى بنغازي استقبل أحسن استقبال من قبل أمير الجيش السلطاني والجنود السلطانية المتمركزة هناك.

 

فأخذ المؤلف في التجهيز لرحلته من بنغازي إلى “كفرة”، وذلك من خلال اصطحابه لأمهر الجنود السلطانية التي تتقن نصب الخيام، وناظر للماء، خاصة وأن درجات الحرارة تكون مرتفعة جدًّا في هذه الأماكن، ولا بد من توفير كميات كبيرة من الماء.

 

2- الذهاب إلى “كفرة” ومقابلة الإمام محمد المهدي السنوسي

يعد هذا القسم الرئيسي في هذا الكتاب، والذي تحدث فيه الكاتب عن تفاصيل رحلته، حيث ذكر في البداية مجموع المستلزمات الضرورية التي حملوها معهم وتاريخ انطلاق القافلة المتوجة إلى “كفرة”. ثم وصف المؤلف في جزء كبير من هذا العنصر الأطعمة التي تناولوها مع البدويين والاختلاف الكبير بين الطبخ العثماني وطبخ البادية، وتحدث كذلك عن الخصال الحميدة لسكان هذه القرى والتي تتميز بالكرم والجود وحسن الضيافة، وقد قابلوا مجموعة من القوافل والمشايخ. وعندما علموا أنه من قبل أمير المؤمنين قابلوه بالاحترام والتعظيم.

 

ثم في مرحلة ثانية، تطرق المؤلف إلى ذكر الطبيعة في صحراء إفريقيا، فوصف طبيعة الأراضي والتي تنقسم إلى صنفين أراضي رمليّة كلسيّة غير صالحة للزّراعة، وأخرى واسعة تمتاز بلين تربتها، ونجد واحات النّخيل وهو العنصر المهيمن في مختلف القرى التي ذكرها الكاتب مع بعض بقايا أشجار زيتون من القرون الماضية وأشجار السّرو. كذلك ذكر المؤلف تربية المواشي في هذه المناطق، والتي لا تقتصر على الإبل فقط بل توجد أيضا الأغنام والأبقار والماعز والدواجن.

 

ذكر المؤلف تسميات عديدة للقرى التي مرّوا بها، ووصف خصوصية كلّ قرية  وسكّانها وما تمتاز به (طبيعة الأبنية، الأنشطة التي تمارسها) ومن بين هذه القرى نجد (طيلمون، أرض برقا، سِوا، جغبوب، جالوا، واداي…) وأثناء مسيرتهم إلى “كفرة”، وصف الكاتب صعوبة الطرق التي سلكوها مع ارتفاع درجات الحرارة، ومختلف الآبار التي شربوا منها (بئر سبيكة، بئر الوقادية، آبار رسم، آبار زيغن…)

 

لم يقتصر وصف المؤلف لعادات بدو الصحراء في المأكل والشرب فقط، بل تطرق أيضا إلى الألبسة والطريقة التي يخاط بها القميص والذي يعد اللّباس الرئيسي لسكان هذه المناطق. أيضا يصف الكاتب بصفة مدققة كيفية صنع الأحذية والتي تصنع من جلود الإبل المجففة.

 

وعند وصول القافلة إلى منطقة “كفرة” مصطحبة بالراية العثمانية، أخذ المؤلف في وصف حسن الاستقبال من قبل المشايخ وطلبة العلوم أولا، ثم بعد ذلك حسن الاستضافة والولائم التي قدّمت لهم.

 

بعد ذلك تحدث الكاتب عن مقابلته للشيخ السّنوسي في زاويته، وعرف لنا هذه الشّخصية: وهو محمـد المهدي السّنوسي بن الشيخ محمـد بن علي بن السّيد السنوسي من السادات الحسينية من قبيلة الخطاطبة، وكان تحصيله من فاس أخذ منها الطريقة الشاذلية. ووصل إلى الحجاز بعد أن طاف طرابلس الغرب وتونس، ولاشتهاره بالعلم والصلاح أصبح شيخ السّجادة، ونسبت إليه الطريقة السّنوسية. وفي سنة 1271 هـ، أتى أراضي جغبوب فأسّس فيها هذه الزاوية والتي أصبحت منذ تلك الفترة ملجأ للصلاح والعرفان. وبعد وفاته ترك خلفه السّيد محمـد المهدي السنوسي، وهو مولود في المدينة المنورة سنة 1255هـ وأصبح إماما لهذه الزاوية[2].

 

تطرق الكاتب في هذا المجال إلى أهمية هذه الزاوية، فهي تضم مئات من الطلبة الذين يتلقون فيها حفظ القرآن بدرجة أولى، ثم بعد ذلك يتعلمون الصرف والنحو والفقه. وذكر الكاتب مجموع الزّوايا الموجودة في صحراء إفريقيا.

 

وتحدث المؤلف كذلك عن فترة مكوثه في “كفرة”، فوصف طبيعة عيش سكان هذه القرية ومجالها الجغرافي، ومختلف الطوائف التي تقطن بها. وعند إتمام المهمة، ذكر لنا استعدادهم للعودة، لكن قبل ذلك زار الشيخ السنوسي فودعه بعد أن أخذ منه تحريره ومجموعة من الهدايا إلى الباب العالي.

 

3- طريق العودة

هذا العنصر خصّصه المؤلف للحديث عن العودة إلى بنغازي، ومن ثمة السّفر إلى استانبول. في البداية تحدث المؤلف عن جمال السّياحة في الصحراء خاصة في الليالي المقمرة، وهكذا تواصلت مسيرتهم إن وصلوا إلى قرية “جالوا” بعد أن بلغوا منطقة أبو الطفل، وبين قرية وأخرى يذكر الكاتب كلّ ما يشاهده.

 

ثم بعد ذلك ذكر مرور قافلتهم بـ”أوجله” قصد زيارة ضريح كاتب النبي صلى الله عليه وسلم (ابن أبي سرح) وبعض المساجد في هذه المنطقة، ووصف هذه القرية وذكر الأشياء التي تمتاز بها عن غيرها. ويختم مسيرته ب وصولهم منطقة الطيلمون، وفي هذا الإطار ذكر الكاتب العديد من المناطق كلّ منطقة وتسميتها والأنشطة الاقتصادية التي تمارسها، وكل هذه الطوائف خاضعة لأحكام الدّولة العليّة.

 

4- نظرة تقييميّة للكتاب

يكتسي هذا الكتاب أهمية كبيرة من عدة نواحٍ، ويمكن إجمالها على النّحو التالي:

الجانب التّاريخي: يمثل هذا الكتاب وثيقة هامّة في تاريخ الدّولة العثمانيّة خلال الفترة الحديثة، والذي يرتكز أساسًا على حسن العلاقة بين الدّولة العثمانية وسكان صحراء إفريقيا.

 

الجانب السّياسي: يكمن البُعد السّياسي خاصة في علاقات الولاء التّام للدّولة العثمانية مع إيالاتها في إفريقيا. لذلك فإن مؤلف هذا الكتاب يذكر في كامل رحلته حسن الاستقبال والتّعظيم من قبل السّكان لهذا القائد وبقيّة حاشيته من العسكريّين.

 

الجانب الجغرافي: يسلط الكتاب الضّوء على العديد من المناطق والقرى التي مرت بها القافلة، فهو يسعى إلى تعريف القارئ بكلّ الأماكن التي أقاموا أو مرّوا بها بكلّ دقة في الوصف. كذلك يخبرنا المؤلف بالصعوبات والمشاق التي تعترض السائح كالطرقات الصّعبة وكثافة رمال الصّحراء. هذا إضافة إلى صعوبة المناخ والذي يصعب التعوّد عليه خاصّة لغير البدويين.

 

الجانب الدّيني العلمي: يكتسي البعد الدّيني أهمية كبرى لدى سكان البادية، وقد ذكر لنا المؤلف مجموعة كبيرة من الزّوايا ومن العلماء والشّيوخ، ونلاحظ هنا دور الزاوية في تكوين الطّلبة والذين تتجاوز أعدادهم المئات. وقد خرج مفهوم الزاوية عن الطابع المألوف المتمثل في ممارسة الطقوس العقائدية والتّبرك إلى مدرسة تدرس شتى أنواع العلوم من الصّرف والنحو والفقه وتعليم القرآن، ونجد في أسلوب الكتابة بعض الاقتباسات من النّص القرآني، وهو ما يوحي لنا أنّ المؤلف في حد ذاته متشبع بالروح الدّينية.

 

الهوامش:

[1]ـ الياور: وهي كلمة تركية ومعناها المرافق الشخصي، وتطلق أيضا على رتبة عسكرية في الجيش العثماني وتعني رئيس حرس الأمير وله مهمة محددة، وهي من يحمل السيف أمام ضيوف الدولة ويسير أمامهم يقود حرس الشرف. وقد استخدمها المصريون أيضا في الفترة العثمانية.

  [2] صادق باشا المؤيد، رحلة عظم زاده صادق باشا المؤيد إلى صحراء إفريقية الكبرى، ص.46.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet