بورقيبة و محمد الأمين باي

بقلم: ليلـــى ذياب

إنّ صفة الزعامة صفة تكتسب بالعمل والتّضحية في سبيل الأوطان والإنسان  ليكون القائم بذلك العمل زعيمًا في أمته ومستعدّا للمخاطرة في سبيله للتضحية بنفسه في سبيل رقي أمته، لكنّ زعامة بورقيبة المزعومة  كانت على حساب الآخرين. زعامة إقصاء واحتواء، إقصاء كلّ من عارضه وخالفه الرأي و التّوجه، واحتواء لمن له نفس توجهه كي لا يلمع نجمه وينافس زعيم الأمة على عبارة بورقيبة أو المجاهد الأكبر(1). فمدرسة بورقيبة أو بالأحرى الامبراطورية البورقيبية وضع حجرها الأساس منذ ثلاثينات القرن الماضي بإزاحة عبد العزيز الثّعالبي(2) وتهميشه ممّا جعله يعتزل السياسة  ليموت ظلما و قهرًا. لقد تمادى بورقيبة في سياسته الإقصائية لتطال شخصيات أخرى، ويهمنا في البحث منها شخصية محمد الأمين باي (3) آخر البايات الحسينيين بتونس.

 

من المعلوم أنّ تونس خضعت للحكم  الملكي الحسيني منذ سنة 1705وامتدت على قرنين ونصف من الزمن. عرفت حينها البلاد فترات قوة و ضعف لعلّ أبرزها انتصاب الحماية الفرنسية سنة 1881م في عهد محمد الصادق باي(4). و من المعلوم أيضا أن البايات الحسينيين لم يساندوا جميعا الاستعمار الفرنسي بل كان هنالك من يتصف بالوطنية فوقف إلى جانب حركة التحرير فكان مصيره العزل والنفي ونقصد هنا المنصف باي (5). لقد عملت فرنسا على خلعه ليخلفه محمد الأمين باي (6) وهو آخر بايات تونس. وبالرغم من أنه لم يساند القضية الوطنية فإنّه لم يكن عثرة في طريقها ومسارها التّحرري.

 

لقد حاول الأمين  باي المحافظة على عرشه بعد خروج فرنسا فتقرّب من صالح بن يوسف (7) لكن بورقيبة كان له بالمرصاد وأحبط كلّ محاولاته، فهو لم ينس و لم يغفر له علاقته بخصمه، وكذلك لم ينس إمضاءه على وثيقة الاستقلال بمعية الطاهر بن عمّار الذي ستطاله يد بورقيبة أيضا (8). فبورقيبة يرى نفسه الأحق بالإمضاء على هذه الوثيقة. فهو من ناضل وفاوض فرنسا ليأتي من خنع و استكان ويفتكّ مكانه ويجني ثمار جهده وكفاحه. والنتيجة هنا الحقد على الباي وجميع مساعديه بمن فيهم الطاهر بن عمار، فعمل على الاستنقاص من شأنه و إضعاف نفوذه وعزله قبل العزل القانوني.

 

فعندما تولى بورقيبة رئاسة أول حكومة تونسية بعد الاستقلال تولى معها أيضا كلّ مهام الباي فبقي وجوده شكليا، كما أنّ ممالطة الباي عندما طلبت منه قيادة الحزب الحر الدستوري إصدار أمر علي لانتخاب المجلس القومي التأسيسي جعلت بورقيبة يزداد حقدا على الأمين باي، لذلك لم يفوت أية فرصة للاستنقاص من شأنه وإضعافه بشتى الطرق. وما إن تقدمت أعمال المجلس التأسيسي (9)حتّى تم عقد جلسات متتالية للنظر في طبيعة نظام الحكم بالبلاد فتية الاستقلال. وبعد مشاورات مع القوى الوطنية استقرّ الأمر ليكون نظاما رئاسيا، وبذلك تمّ إعلان الجمهورية في 25جويلية1957م.

إنّ أول خطوة قام بها بورقيبة، وهو على  رأس الحكومة إلغاء الامتيازات الجبائية والحصانة القضائية التي كانت تتمتّع بها العائلة المالكة، وتمّت بذلك تسويتهم بسائر المواطنين كخطوة أولى. و بإعلان الجمهورية توجّه وفد من المجلس التأسيسي لإعلام الباي  بالقرار المتّخذ في شأنه فوجدوه في انتظارهم مستعدا لمغادرة قصر قرطاج صحبة عائلته، وبعد تلاوة نص القرار غادر الباي القصر إلى مقر إقامته الجديد بمنوبة.

وبعد مغادرة القصر تمّ انتزاع أملاك هذه العائلة بمقتضى قانون صادر في 29جويلية 1957م ، ثمّ بدأت سلسلة المحاكمات التي شملت جل أفراد العائلة المالكة فكانت محاكمة الشاذلي باي (9) في سبتمبر 1958 في قضية المصوغ والمجوهرات. ولم يكن نجل الباي المتّهم الوحيد في هذه القضية بل تمّ إقحام شخصيات أخرى لعل أبرزها الطاهر  بن عمار الموقّع على وثيقة الاستقلال. وقضت المحكمة في قضية المصوغ والمجوهرات بسجن الشاذلي باي خمس سنوات، في حين تم الحكم على بقية المتهمين بشهرين وأربعة أشهر مع مصادرة كل أملاكهم. وبذلك كانت نهاية العائلة  الحسينية مهينة و تراجيدية.

 

لئن مثّل إقصاء الباي من الحياة وإلغاء النظام الملكي من مقومات السّيادة الوطنية والقطع مع الماضي فإن بورقيبة لم يتوقف عند هذا الحد بل كان يتعمد إهانة الباي والاستنقاص من شأنه فانتقم منه شرّ انتقام. ولكن هل ستنهي هذه المحاكمات  الصراعات؟ يبدو أن بورقيبة كان ينتظر الظفر بالاستقلال وتأييد الشعب له لينتقل بعد محاكمة الباي إلى المناضلين المشاركين في حرب التحرير الوطني، ولا أدّل على ذلك ما وقع لصالح بن يوسف ثم لأحمد بن صالح.

 

الهوامـــــش:
1 – بورقيبة:(1903-2000م) من قادة الحركة  الوطنية و القوى التي واجهت فرنسا، أسس الحزب الحرّ الدستوري الجديد سنة1934م، و هو أيضا أول رئيس حكومة تونسية بعد الاستقلال ثم أصبح رئيسا للجمهورية سنة 1957م إلى حدود سنة 1987م.

2 – عبدالعزيز الثّعالبي (1874-1944م) زعيم تونسي من أصول جزائرية، أسس أول حزب سياسي في تاريخ البلاد خلال فترة الاستعمار .

3 – محمد الأمين باي (1881-1962) آخر البايات الحسينيين  بتونس، تولى العرش سنة 1943م إثر عزل المنصف باي وغادره بعد إعلان الجمهورية في 25جويلية 1957م.

4 – محمد الصادق باي (1813-1882)هو باي تونس الثاني عشر  تولى العرش سنة 1859 إلى حين وفاته. عرفت تونس خلال عهدته عدة أحداث أهمها إصدار دستور 1861 و انتصاب الحماية سنة1881م.

5 – محمد المنصف باي (1881-1948) اعتلى العرش في ماي 1942م خلفا لأحمد باي واستمرّ في الحكم أحد عشر شهرًا حتى تم عزله سنة 1943م ونفيه بسبب مناصرته للحركة الوطنية و دعمه لها.

6 – صالح بن يوسف (1907-1961) هو أحد أبرز قادة الحركة الوطنية تولى الأمانة العامة للحزب الحر الدستوري الجديد كما تولى وزارة العدل في حكومة محمد شنيق التفاوضية. عارض الاستقلال الداخلي واعتبره خطوة إلى الوراء. اغتيل يوم 12أوت بفرنكفورت.
7 – الطاهر بن عمار (1889-1985) سياسي تونسي، تولى الوزارة الكبرى، وفي عهده تمّ توقيع اتفاقية الاستقلال.

8 – الشّاذلي باي: نجل الأمين باي كان مقربا من صالح بن يوسف تمت محاكمته فيما يعرف بقضية المصوغ والمجوهرات وأفضت المحاكمة إلى سجنه.

المراجــــع:
1- إدريس، (الرشيد)، في طريق الجمهورية، منشورات دار الغرب الإسلامي بيروت 2001.
2- بلخوجة، (الطاهر)، الحبيب بورقيبة سيرة زعيم، علامات للطباعة والنشر.

3- الحباشي (محمد علي)، تونس المستقبل، أوربيس للطباعة نوفمبر 1999م.
4- المنصوري (سالم)، أحمد بن صالح وزمانه، مؤسسة بوجميل للطباعة والنّشر ، نوفمبر2018.

 

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *