صحفي إنكليــزي يصف شهــر رمضـان

رمضان في الصّحف الانكليزية:

عندما يصوم 200 مليون مسلم

نترجم ما يلي عن العدد الأخير من “الديلي ميل” بقلم الكاتب المعروف أرنست مين:

يستعدّ مئتا مليون مسلم منتشرين في أنحاء العالم لصيام شهر رمضان المبارك الذي سيثبت هلاله الجديد غدًا.

خلال هذا الشّهر لا يدخل بين شفتي مسلم طعامٌ ولا شرابٌ ولا لذة للمدخّين من الفجر إلى الغسق تنبعًا لأحكام القرآن الذي يُوجب الإمساك عن الطّعام والشراب حتى يتبيّن الخيط الأبيض من الأسود من الفجر، ومن الغسق عندما يختلط هذان الخيطان.

 

وإن رمضان لشهر اجهادٍ إذا دارت فكله صيفًا، إذ السنة الهجرية عدتها أثنى عشر شهرًا قمريّا، وعلى ذلك فشهر رمضان يدور حول هذا التّقويم.

 

وصيام رمضان في صيف البلاد العربيّة اللاّفح عندما يتقدّم الفجر ويتأخر الغسق محاولة قويّة لها تأثيرها الخاص، إلاّ أن ذلك لا يمنعُ إجماع المسلمين إجماعًا عامّا في المحافظة على هذه الظاهرة الدّينية الوطيدة في البقاع الواسعة الممتدة بين مراكش حتّى جزر الهند الشّرقيّة.

 

كُتب الصّيام على كل مسلم إلاّ من كان مريضًا أو على سفر فعدّة من أيام أخر، قد يُفطر رمضان بعض ذوي الجرأة الكاذبة من سكّان المدن المتحضرة إلاّ أنّه ليس في إمكانهم أن يَجهروا بإفطارهم هذا. إذ أنّ هناك عرفًا يحتّم إغلاق المقاهي والمطاعم خلال ساعات النّهار.

 

وإثبات هلال رمضان يكون ببثّ الشّهود في كلّ مكان حتّى إذا شهد الشهرَ أحدُهم أو شهده آخر ممن حسنت سيرته أسرع إلى السّلطات الدينية فأبلغها خبر تولّد الهلال الجديد، فتطلق المدافع ويبدأ الصّوم.

 

وقد تمنع أحوال محلّية ظهور الشّهر في البقاع المجاورة في وقت واحدٍ، فيختلف فيها تبعًا لذلك بدأ الصيام. وقد تهبّ عاصفةٌ تحجب القمر فيُؤخذ عند ذلك الصيام بالإقرار.

 

وفي شهر رمضان يتعطّل دُولاب الأعمال، وتقف الحركة مبكّرة بعد الظهر، ويذهب النّاس لقضاء بقية نهارهم في النّوم، حتى إذا ما اقتربت ساعة الغُروب وجدتَ النّاس يذهبون أفواجًا إلى المقاهي حيث يتجاذبُون أطراف الحديث هنا وهناك لا يبدُون أيّ تذمر، فالمدفع وحده إيذان الغُروب إلى أن تقرب ساعة الإفطار فإذا المقهى يطفحُ بالناس.

وينطق المدفع فإذا عمّال المقهى – ولا يبدُو عليهم أي تذمر – يطوفون كذلك بأكواب وأباريق نُحاسيّة.

 

ولو أن التأدّب وكبح العواطف ظاهرة بائنة من المسلم إلاّ أن ذلك أشدّ ما يكون وضوحًا في شهر رمضان. وترى الكل في تلهّف شديد للتّدخين كما ترى تحمّسًا ملموسًا إلى إشعال أول لفافة أو تناول أول سحبة من “النّرجيلة”.

عند ذلك يتفرق الناس من المقهى ويذهبون تدريجيًّا إلى بيوتهم حيث الزّوجات قد أعددن طعامًا فاخرًا يفتتح به المسلم بيته على مصراعي الكرم.

 

ومن ظاهرات شهر رمضان لياليه إذ تجلس الجماعات إلى ساعات متأخّرة من اللّيل ولا ينقطع أثناء الجلوس مرور الخَدم بالمنعشات.

وليالي رمضان فرصها كثيرة وسانحة لتدبير الخطط أو هدمها إبان الاضطراب السّياسي.

 

والزيارات التي تحدث في رمضان قد لا تقع في غيره من الأوقات، كما لا تكون بسابق علم، كما يُتخذ في لياليه أيضًا كثيرٌ من قرارات المؤامرات والثّورات التي قد تقع أثناء الصّيام. وعندما يُطلق المدفع في الفجر يتجدّد الصّيام مرّة أخرى إلى غروب الشّمس.

 

وقرب نهاية الشّهر يترقب الشّهود ميلاد الهلال الجديد، ويأخذ هذا التّرقب أشدّه في آخر الأيام عندما ترى كثيرًا من هؤلاء الشّهود على سطوح المنازل متطلّعين إلى السّماء ليروا أوّل بادرة من الأفق، فينطلق على أثرها المدفع وينتهي بذلك الصّيام.

 

ومن الصّباح الباكر يبدأ العيد العظيم، فيشترك فيه الأجانب بزيارات رسميّة للمسلمين، وكأنّ يوم العيد من أيّام العطلة. فالنّاس كلّهم حتى أفقر الأطفال من أولاد الفلاّحين في ملابس جديدة، فلابد لهؤلاء أن يلبسوا شيئًا جديدًا رخيصًا ذا ألوان ظاهرة، كما تكثر الأفراح ومظاهر السّرور العام حول المدن والقرى.

 

 

المصـــدر: جريدة “الدّفاع”، العدد 203، بتاريخ الثّلاثاء 11 رمضان سنة 1353هــ / الموافق لــ 18 ديسمبر 1926م

 

 

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *