آخر التدوينات :

أوقاف الحرمين الشريفين في بلادنا.. أو عندما كانت تونس تقدم المساعدات للسعودية!!.

بقلم: وليد القايدي

للتونسيين علاقة حب تاريخية عميقة بمكة والمدينة والحرمين الشريفين.. فإلى تاريخ قريب كان التوانسة يساهمون في تمويل إدارة شؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، بل وإدارة شؤون مكة والمدينة كمدينتين وكسكان!!. في الأحباس التونسية – أي الأوقاف.

وقبل أن تلغى بداية الاستقلال كان هناك أحباس اسمها (أحباس الحرمين الشريفين).. وهي عبارة عن عقارات وأراض ومزارع ومتاجر في أغلب المدن التونسية خصصها أصحابها لتُصرف كل مداخيلها حصريا على الحرمين الشريفين والمدينتين المشرفتين مكة والمدينة وسكانهما، ابتغاء الثواب والأجر من عند الله. الحصيلة السنوية لهذه الأموال العائدة من الأوقاف ترسل مع قافلة الحجيج التونسيين إلى البقاع المقدسة لتصرف في المصارف المخصصة لها وتسمى “الصُّرّة”. يوم تسليم “الصُّرّة” للقافلة المنطلقة للحج يقام احتفال كبير يحضره ملك تونس “الباي” رفقة مسؤولي البلاد. ويتولى الإشراف على رحلة “الصُّرّة” إلى الحرمين الشريفين أحد أعيان البلاد أو أحد شيوخ جامع الزيتونة بتكليف رسمي من الباي.

وتصرف مبالغ “الصُّرّة” في ثلاثة اتجاهات: – على شؤون الحرمين الشريفين المكي والمدني (الكعبة المشرفة والمسجد النبوي) من عمارة وصيانة وسقاية، وكذلك على القائمين على المسجدين. – وتصرف على المرافق العامة في المدينتين من طرقات ومستشفيات ومدارس وأمن… – وتصرف على شرائح مختلفة من أهالي المدينتين من فقراء وطلبة علم وعلماء وأشراف… فتخصص لهم مرتبات شهرية.

و “الصُّرّة” الموجهة لمكة والمدينة تاريخها قديم في تونس، وهي معروفة منذ العهد الحفصي، وتواصلت مع حكم المراديين والحسينيين. واستمرت كل تلك الفترات أي لأكثر من 600 سنة، وما توقفت إلا بعض التوقفات الظرفية والمتقطعة، وقد شهدت التوقفات تواترا أكبر خاصة في الحقبة الاستعمارية الفرنسية. إلا أنها توقفت نهائيا مع إلغاء الحبس والأوقاف على يد الرئيس الحبيب بورقيبة شهرين بعد الاستقلال.

ثم صارت السعودية غنية.. وتونس فقيرة!!.. اللافت للانتباه هنا أن مصطفى الفيلالي وزير الفلاحة في أول حكومة لبورقيبة فجر الاستقلال أقر مؤخرا في إحدى الندوات بمركز التميمي للبحوث والدراسات بأنه كان صاحب اقتراح إلغاء الأوقاف، وأنه الآن يشعر بالندم إزاء ذلك، ويرى أنه كان من الممكن وقتها إصلاح الأوقاف بدلا من إلغائها. وهذا الموقف الإصلاحي فيه عودة لقول الشيخ الطاهر بن عاشور في رسالته عن الوقف: ” فليس وجود الفساد في بعض الأحباس مما يقتضي إبطال أصل الحبس”.. لأن منهج الإلغاء منهج متطرف؛ إذ لو ألغينا كل مجال فيه مشكلة أو خلل أو فساد لألغينا كل شيء في حياتنا، فلا تخلو أي تجربة بشرية من نقائص، وحياة البشر مبنية على النقص، ودور الإنسان السعي للإصلاح: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) كما جاء في القرآن الكريم على لسان أحد الأنبياء.

ومما يؤشر على أهمية وضخامة وانتشار ممتلكات الأوقاف تاريخيا في تونس ما أكده السيد محسن زكريا الذي قضى جانبا من حياته في رئاسة “جمعية الأوقاف” التي أسسها خير الدين باشا التونسي لإصلاح أوضاع الأوقاف عام 1874 بقوله أن ” أغلب عقار المملكة التونسية تعلق به حبس في الأصل، وفي الحال”. وفي هذه النقطة يشير المؤرخ التونسي التليلي العجيلي صاحب كتاب (أوقاف الحرمين الشريفين بالبلاد التّونسيّة 1731-1881) وكتاب (أوقاف الحرمين الشريفين بالبلاد التونسية زمن الإستعمار الفرنسي 1881-1956) وقد أخذ منه البحث حول الأوقاف 8 سنوات، يقول الدكتور التليلي العجيلي: (….. بالنسبة إلى الحرمين الشريفين تعددت أوقافهما وتوزعت على معظم جهات البلاد … ففي مدينة تونس – مثلا – مر عدد الدور الموقوفة بها على الحرمين من 181 دارا سنة 1924 الى 206 سنة 1938، في حين فاق المعدل السنوي لعدد الحوانيت 150 مقابل 40 بالنسبة إلى المخازن وذلك بالنسبة إلى نفس الفترة المذكورة، هذا إلى جانب تحبيس العديد من المقاهي، المخابز، الحمامات و”الفنادق” (أبرزها “فندق الحرير” الكائن بالرمّادين والمخصص لصناعة الحرير، والمشتمل على 120 حانوتا…).

كما شملت أوقاف الحرمين بمختلف غابات مدينة تونس ( وهي غابات: الكبّارية، مرناق، الشرقية، أريانة، والجبل الأحمر وهي الأهم) شملت أصولا تجاوز معدل عددها الجملي – في بداية القرن العشرين- 16000 أصل زيتون، مقابل 20000 أصلا – في نفس الفترة – بالنسبة إلى كامل جهة الوطن القبلي، وحوالي 10000 بالنسبة إلى المعدل العددي لكامل جهة الساحل، هذا فضلا عن العديد من الأجنّة المشجّرة بمختلف أنواع “العود الرقيق” (مثل:التفّاح، الّلوز، الأجّاص، التّين، التفّاح، المشمش…الخ) والتي كانت منتشرة في أحواز الحاضرة (قريانة، ومنّوبة مثلا) ومناطق الوطن القبلي (سليمان، قرنبالية، منزل بوزلفة…الخ) وبنزرت (راس الجبل، رفراف، غار الملح…الخ). ويواصل التليلي العجيلي: ( أما بالنسبة إلى الأراضي الزراعية، فلئن انحصرت القطع المحدودة المساحة منها حول بعض مدن البلاد، فإن تلك الشاسعة منها والمعبر عنها “بالهناشر” (جمع هنشير) فتركزت أساسا في مناطق الزراعات الكبرى بالشمال والشمال الغربي في كل من: ماطر، وبالخصوص في باجة أين بلغت – مثلا – مساحة هنشير قصر مزوال (الكائن على بعد 20 كلم من مدينة باجة من ناحيتها الشرقية) 782 هكتارا، في حين فاقت المساحة الجملية لهنشير على بن عمر القيطوني الواقع جنوب شرق مدينة باجة 1863هكتارا… هذا إلى جانب عديد الهناشر في كل من طبربة، بنزرت، الكاف، تبرسق، مجاز الباب، زغوان، الفحص، القيروان….الخ.)

هذه مجرد أمثلة وليست للحصر تدل على ضخامة الثروات التي كانت مخصصة لشؤون الحرمين الشريفين في البلاد التونسية. خلال فترة الاستعمار استمر إرسال “الصُّرّة” التونسية إلى المملكة السعودية مع ركب الحج كل عام، رغم انقطاعها في بعض السنوات (1898-1900- 1903- 1915…) لأسباب مختلفة. كما توقف توجيه “الصُّرّة” التونسية إلى الحرمين ابتداء من سنة 1923إلى غاية 1931، لتحاول فرنسا بعد ذلك العودة إلى العمل بالمبلغ المالي الموحد (الجزافي) المقدر بخمسين ألف فرنك فرنسي، وهو ما رفضته الحكومة السعودية، وأصرت على التسديد ذهبا لكل المبالغ، وهو ما دفع بالسلطات الاستعمارية إلى مطالبة الحكومة السعودية بمدها بالمجالات التي تصرف فيها “الصُّرّة” التونسية، وكذا بكشوفات مفصلة عن مختلف الأوقاف التي حبسها رعايا فرنسا من المغاربيين في المملكة.

أما الرد السعودي فكان من خلال “جمعية المطالبة بأوقاف الحرمين الشريفين” ممثلة في رئيسها يوسف ياسين، والذي قدم عريضة إلى السلطات الفرنسية تضمنت مطالبة أهالي الحرمين بحقوقهم، وهو ما أحرج الموقف الفرنسي. يقول المؤرخ التونسي مصطفى الستيتي: ( إبان الأربعينات من القرن العشرين توقّف إرسال “الصُّرّة” لعدة سنوات حتى كاد يُنسى ذكرُها بين التونسيين، إلا أن المستحقين لها بالحجاز لم ينسوها وكرّروا طلبها من الحكومة التونسية، فتدخل في الأمر ملك العربية السعودية عبد العزيز بن سعود فاستجابت له تونس. ورغم الضائقة المالية المحيطة بجمعية الأوقاف فقد حصل الاتفاق بين الجانبين على توجيه “الصُّرّة” بمبلغها المعمول به سابقا. وقد أكبر الملك السعودي هذه الخطوة في باي تونس وأهدى له حزاما من أستار الكعبة الشّريفة مصنوعا من الذّهب).

والحقيقة أن أوقاف الحرمين لم تكن مستهدفة لوحدها من قبل الاستعمار، بل كان الاستهداف موجها لمجمل الأوقاف في تونس ضمن مخطط استراتيجي استعماري للتحوز على الأراضي الخصبة والشاسعة وتمليكها للمعمرين، وهو ما تم بالفعل عام 1919 حيث أتمت فرنسا عملية استيلائها على كامل أراضي “الوقف العام” في البلاد التونسية. إلا أنها لم تنجح في الاستيلاء على ممتلكات “الوقف الخاص” بسبب رد فعل الأهالي. في تناوله لمسألة الأحباس كتب الشيخ الطاهر بن عاشور رسالته المعنونة ب “الوقف وآثاره في الإسلام” فيقول: “والحبس من مبتكرات الإسلام، وهو من الاصطلاحات الإسلامية الجليلة، ولا يُعرف له نظير في الجاهلية… والوقف غير موجود في شريعة التوراة ولا في المسيحية”.. ويؤصل الشيخ الطاهر بن عاشور للوقف والحبس بالحديث النبوي الوارد في صحيح البخاري أن عمر ابن الخطاب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منها فما تأمرني؟ قال النبي: “إن شئت حبستَ أصلها وتصدقت بالثمرة”.

من هذا الحديث النبوي استُخرج أحد أهم التعريفات الفقهية للوقف وهو: ” الوقف هو تحبيس الأصل، وتسبيل الثمرة ” أي منع التصرف في أصل المال فلا يباع ولا يشترى، ويتم توزيع المداخيل والناتج في سبيل الله حسب ما يقرره صاحب المال الموقوف. والمصطلح الأكثر استعمالا في تونس ومغاربيا هو مصطلح “الأحباس”، أما مصطلح “الأوقاف” فهو أكثر استعمالا في المشرق.. ومع ذلك استعمل الشيخ بن عاشور مصطلح “الوقف” في عنوان رسالته المذكورة، إلا أنه استعمل كلا المصطلحين داخل الرسالة.. وعموما لا إشكال في الاصطلاح والأهم المضمون قبل الاسم. ويقسم أهل الاختصاص الأوقاف إلى نوعين: الأول الوقف الخاص، ويسمى أيضا الوقف الأهلي والوقف الذري، وهو الذي له علاقة بالورثة والأقارب، حيث يوقف صاحب المال بعض أملاكه لأقاربه وورثته، يستفيدون من منتوجه ودخله دون أن يكون لهم الحق في التصرف في أصله بالبيع.. والنوع الثاني هو الوقف العام، ويسمى أيضا الوقف الخيري، وهو الذي يحبسه صاحب المال على عامة الناس أو على بعض الفئات التي يحددها من غير أقاربه وورثته.. مثلا يوقف صاحب المال بعض ممتلكاته على أن يعود منتوجه ودخله على المدارس، أو المستشفيات، أو الفقراء، أو أي مجال يختاره صاحب المال.

على أن الأوقاف الأكثر نفعا وجدوى اجتماعيا وماليا واقتصاديا في واقعنا المعاصر فهي الأوقاف العامة، وهي تلك الموجهة خارج نطاق الورثة وخارج أبناء وأقارب صاحب المال، أي الموجهة لعموم الناس ولمختلف احتياجاتهم الاجتماعية والخدمية والتعليمية وغيرها… وفي العالم حاليا وفي الغرب تحديدا، نشهد تصاعدا مضطردا لحضور الأوقاف ضمن ما صار يسمى ب”الاقتصاد الاجتماعي التضامني” أو “القطاع الثالث ” جنبا إلى جنب مع القطاع العام والقطاع الخاص. وقد بلغ مجمل التبرعات للعمل الخيري وللأوقاف في أمريكا في عام واحد – عام 2015 – مبلغ 374 مليار دولار!! وهو مبلغ يعادل ميزانية الدولة التونسية حوالي 25 مرة!!.. وهو مبلغ سنوي في تزايد عاما بعد عام!! من هذه المبالغ الخيرية والوقفية تتوفر ميزانيات كثير من المؤسسات الصحية والتعليمية والاجتماعية الأمريكية. وعلى سبيل الذكر فإن جامعة “هارفارد” الجامعة التي كثيرا ما تصنف الأولى عالميا، تمثل الأوقاف الموضوعة على ذمتها foundation من أهم مصادر ميزانيتها السنوية!!.

للأوقاف حضور أساسي في تاريخنا الاجتماعي والثقافي العربي والإسلامي.. حيث كان المجتمع يدير شؤونه بمعزل عن الدولة.. المجتمع المسلم تاريخيا كان يملك استقلالا كبيرا عن الدولة.. وأحيانا يكون أقوى من الدولة.. ومن أهم منابع قوته الأوقاف.. والحقيقة أن تغول الدولة على المجتمع مسألة جديدة جاءت مع الاستعمار ومع دولة الاستقلال الحديثة.. ولذلك أضعفت الدول الديكتاتورية الأوقاف أو ألغتها من أجل التمكين للأنظمة الشمولية الاستبدادية وإحكام سيطرتها على المجتمع. ولا أعتقد أننا نخطئ إذا قلنا أن من أهم مداخل تحرير مجتمعاتنا من سطوة الدولة الشمولية هو إعادة الاعتبار للأوقاف بصيغ جديدة قانونية ومتطورة.. والأوقاف ولئن جاءت في منطلقها الفردي ذات دافع ومنشأ ديني إلا أنها في حضورها المجتمعي تبرز كممارسة اقتصادية مالية اجتماعية خدمية..

والسؤال المطروح بناء على ذلك: من يعترض على الأوقاف لدواع فكرية بسبب صبغتها الدينية فلماذا يرفضها من منطلق مادي براكماتي واقعي باعتبارها يمكن أن تكون تعبئة لموارد إضافية مالية مجتمعية طوعية كبيرة؟؟!! ما المنطق في رفض موارد مالية شعبية تسند وتعاضد جهود الدولة في مجال محاربة الفقر والتنمية الاجتماعية؟؟!!. بعض الآراء تربط بطريقة عجيبة بين الاقتصاد الاجتماعي – ومن ضمنه الأوقاف – وبين الليبرالية المتوحشة!! يعني مواطن يريد أن يعين الشرائح المستضعفة ويعاضد مجهود الدولة – دون أن يعفيها من مسؤولايتها الاجتماعية- فيأتي شخص يتفلسف ويقول له لا!! ممنوع الأعمال الخيرية “الرجعية”!! ممنوع إعادة المؤسسات التي ألغتها دولة الاستقلال “التقدمية”!! ممنوع أن يخدم المجتمع نفسه بنفسه!! ممنوع أن تعمل الخير!! فيقع هذا المنطق بذلك في المطب الشيطاني – بوعي أو بدون وعي – الوارد في الآية الكريمة: (مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ، عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ).

وعموما أي نظام اقتصادي يمنع المواطن من حقه بل واجبه في التكافل المجتمعي، وأي نظام اقتصادي لا يتضمن منظومة الاقتصاد الاجتماعي – ومن ضمنها الأوقاف والعمل الخيري وغيرها من أشكال التضامن – هو نظام ظالم ومرفوض.. سواء كان نظام “ليبرالية متوحشة” أم نظام “اشتراكية متسلطة”!! ظالم للدافع وللمدفوع له: ظالم للدافع لأنه يحرمه من حرية التصرف في ماله.. ويحرمه من سعادة خدمة الآخرين.. وظالم للمدفوع له لأنه يحرمه من الاستفادة من الموارد المالية المجتمعية.. وظالم للمدفوع له لأنه يحرمه من إمكانية الخروج من وضعية الاستضعاف الاقتصادي والاجتماعي أو التخفيف منها على الأقل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمزيد التوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع لكتابَيْ المؤرخ التونسي الدكتور التليلي العجيلي: ” أوقاف الحرمين الشريفين بالبلاد التّونسيّة”، ودراسة الباحث الجزائري الدكتور بن يغزر أحمد: ” أوقاف الحرمين الشريفين في تونس (1874-1956) ” ومقال المؤرخ التونسي الدكتور مصطفى الستيتي: “الصـــرّة الهمايونية” مُساعدات التّونسيين إلى الحرَمين الشّريفين”.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet