آخر التدوينات :

التّربيــة الشّيئيّـة

بقلـم: أ. هذباء علي الغويلي

 

يظلّ موضوع تربية الأبناء من المواضيع الشائكة، منذ أن أدرك الإنسان مفهوم التربية وأبعادها حتى عصرنا الحالي، ولقد سال من الحبر الكثير في هذا الموضوع، وذلك لأثر هذه الشريحة في المجتمع، وتأثيرها على مستقبل الشعوب والبلدان، فإعداد جيل صالح مدرك لدوره الرّيادي في هذا العالم ومحافظ على قيمه ومبادئه ينعكس بالضّرورة على المجتمع ومكَانته بين الأمم.

 

لكن وللأسف الشّديد، وحسب استقراء الواقع فإن قلّة من الآباء استطاعوا إعداد نشء طيّب الأعراق ونجحوا في تأسيس علاقةٍ قويمةٍ سليمة مع أبنائهم، بل إنّ الكثير منهم حاد عن الهدف المنشود، إمّا لقصور في ثقافته التّربوية، أو لمشاغل حياتيّة صرفته عن الدور المنوط بعهدته. ولأن موضوع علاقة الآباء بالأبناء من المواضيع المتشعبة والمتفرّعة، سنركز في هذا المقال وبشكل موجز، على مفهوم “التّربية الشيئيّة”.

 

قد يكون العنوان في مجمله غريبًا بعض الشيء، لكن كما هو جلي فهو يتكون من مفردتين مألوفتين لدينا، لكن غير المألوف فيه هو الجمع بين المفردتين (تربية وشيئية) وإحلالهما محل صفة وموصوف. وهذا ما يطرح تساؤلاً حول ماهية التّربية الشيئية وما المقصود منها؟

 

التربية الشيئية هي أن ينظر الأب إلى ابنه على أنّه شيء لا حول ولا قوة له، ويجب توفير جميع ما يلزم للحفاظ على هذا الشّيء، شرط أن يحقّق له تطلعاته، ولنضرب على ذلك مثل السيارة، فهي تحتاج إلى بنزين وتنظيف، ومراجعة للفحص، ومأوى مناسبٍ لتحتمي به من حر الصّف وقساوة الشتاء، وإذا لزم الأمر شراء بعض أدوات الزينة والملصقات لتزداد جاذبيّةً، وكلما قدمت السّيارة خدماتها على أحسن وجه ازددنا إعجابًا بها وتقديرا لها.

 

وكذلك الشجرة في حديقة المنزل، حيث يعمد صاحبها إلى تقليم أغصانها وشذب زوائدها حتى تزيّن حديقته وتزيدها حسنًا وبهاء، لذلك تراه كلما نما غصنٌ لم يرق له أعمل فيه منشاره فيقطعه ويتخلّص منه، دون مراعاة ما إذا كان هذا الغصن سيمنح الشجرة مزيدًا من الطول والقوة، فالمهمّ عنده هو ألا تخرج الشّجرة عن الصورة النمطية التي رسمها لها في ذهنه.

 

أو كطائر نشتريه فننتف ريش جناحيه حتى لا يُغادرنا، نعم ننتف ريشه حدًّا من حريته وانطلاقه حتى نستمتع بمشاهدته وهو يزين حديقة المنزل وننتشي بحديث النّاس عن الحديقة الجميلة التي تغرّد بها الطيور. هكذا نحن بنو البشر نحب الأشياء بشروط، أي أنّنا نحب الأشياء إلى الحد الذي تلبّي فيه احتياجاتنا أو تؤدي مهامها بالطريقة التي نريدها، فالإنسان جبل على ترويض الأشياء وتسخيرها لما يخدم مصلحته ويتماشى وأهواءه. ولا يقتصر الأمر عند الأشياء فحسب، بل حتى الإنسان ذاته، وهذا ما عبر عنه جان جاك روسو في كتابه “إميل والتربية” حيث يقول متحدّثًا عن رغبة الإنسان في ترويض ما حوله ومن حوله ” فهو لا يريد شيئًا كما صنعته الطّبيعة، فحتّى الإنسان يجب ترويضه لنفسه كالفرس الرّكوب، ويجب أن يُكيّف على نهجه كشجرةٍ في حديقته”.

 

وهذا ما يفعله – للأسف – معظم الآباء، فهم يحاولون ترويض أبنائهم كما يُروّض الفرس الجموح الرّافض لكل من يعتلي صهوته ويقوده. وإن لم تستجب هذه الأشياء لتطلعاتنا فإنّنا لن نحبها بعد ذلك، وقد ينتهي الأمر إلى التخلي عنها. وهذا النموذج من العلاقات يكاد ينطبق على تصوّر بعض الآباء في تربية الأبناء. فالتّربية عندهم هي توفير المأكل والمشرب والمسكن والملبس والتّعليم، وكل المكملات الحياتيّة الأخرى، مقابل اجتهاد أبنائهم وتفوّقهم الدّراسي، وحسن خلقهم، والتزامهم بتوجيهاتهم، والامتثال للقانون ومراعاة خطوط المجتمع الحمراء وغيرها …

 

ومن هنا يتولد الحبّ المشروط إذ كثيرًا ما نسمع بعض الآباء يردّدون: إذا لم تفعل كذا فلن أحبّك، أو لم أعد أحبك لأنك فعلت كذا، أو إن لم تفعل كذا لن تحظ بكذا، بل إن منهم من يجعل من حبّهم لأبنائهم موضوع ابتزاز، وما إلى ذلك من العبارات التي تهز وجدان الطّفل وترجّ كيانه وتفقده توازنه النّفسي والفكريّ… وفي هذه الحالة يجوز لنا أن نتحدث عن عقد مقايضة بين الطّرفين،يكون فيه  الحبّ والحنان مقابل الطاعة والاستسلام.

 

في هذا النمط التّربوي معظم الأبناء يدركون جيدا أنهم محكومون بمعادلة أبويّة عليهم الامتثال لها، وهذه المعادلة هي الحبّ مقابل تلبية حاجيات أو تطلعات الآباء المنشودة. وفي هذه الحالة يتركّز اهتمام الطفل حول ذاته، ولا يمكنه التركيز على أي شيء سوى كيف يحصل على هذا الحبّ الذي يطالبه بأن يكون طفلاً مثاليّا في البيت، في المدرسة، في الشارع، في النّادي، عند الأقارب والأصحاب، بل حتّى وهو في غرفة نومه… وهذا الشعور يفرض على الطفل أن يتجنّب ارتكاب أي خطإ حتى لا يفقد هذا الحبّ.

 

وهذا الإحساس-  إلى جانب كونه مقيّدًا لحرية الطفل هو إحساس مدمّر لذاته وكيانه، بل هو يلغي شخصيته تمامًا لأنّ الطفل في هذه الحالة لا يتصرف بحرية وإرادة ذاتيّة وتلقائية، بل يتصرّف وفق مقاييس هذا الحبّ المشروط وقوانينه . فهو لن يلعب بحرية حتى لا تتسخ ثيابه ويُغضب والديه، وهو لن يتكلّم بتلقائية ليعبر عن رأيه خشية أن يصدر عنه ما لا يرضي والديه، بل لن يستطيع حتى الدفاع عن نفسه إذا تعرض لتنمّر رفاقه، أو تحرشهم. كل هذا وأكثر من أجل أن يظل الطفل المرضيّ عنه والمشرّف لأسرته أمام محيطه.

 

وفي هذه الحالة تكون المخرجات التي يمدنا بها هذا النمط التّربوي؛ متمثلة في طفل قد يكون متميزًا دراسيّا، منضبطًا اجتماعيّا، ملتزما قانونيّا، لكنه متردّد، يفتقد إلى المبادرة والثقة بالنّفس، ذي شخصية غير متوازنة وغير فاعلة في المجتمع، ينتظر من يوجهه حتى يتصرّف وفق ذلك. فهو لا يستطيع أن يكون شخصيّة قيّادية فاعلة في معظم الأحيان، لأنه اعتاد على السير وفق قواعد الآخرين وقوانينهم، والتفكير داخل الصندوق الذي وضعه والداه، ثم من بعد ذلك المجتمع. ويقول الكاتب الأمريكي هارفيل هندريكس “إنّ التربية الخاطئة تلعب دورًا مهمّا في حرمان الإنسان من قدراته الكامنة بداخله”.

 

وعندما لا يحقق الابن تطلعات والديه المنشودة وشروط عقد المقايضة هذه، ويفشل في تحقيق الأشياء التي تسعدهما، فحتما تتغير المواقف والمشاعر، فقد تصل حدّ النفور والتبرّؤ من الأبناء. والحياة الاجتماعية مليئة بهذه النّماذج؛ فالشوارع تعج بالأطفال المطرودين من منازلهم لأنهم فشلوا في إسعاد آبائهم، ودور الإصلاح والتأهيل مكتظة بالأطفال بالذين أخفقوا في الحصول على هذا الحبّ المشروط. وفي هذه الحالة فإن ما يمكن أن نخلص إليه هو أنّ الطفل يُربّى من أجل الآخرين ولا يُربّى من أجل نفسه، نعم فمنذ أن يولد الطفل يرسم له الوالدان صورة ذهنيةّ تشرّفهم أمام الأسرة والمجتمع، صورة تطابق تطلعاتهم وميولاتهم ورغباتهم، حتى أن بعض الآباء يجعلون من حياة أبنائهم فرصةً ثانيةً لهم ليحقّقوا ما أخفقوا هم فيه. لذلك تراهم يتدخلون في أكلهم ولباسهم وتوجّهاتهم العلمية الفكرية، واختيار أصدقائهم، بل هناك من ينتقد أبناءه حتّى في طريقة جلستهم ومشيتهم وضحكتهم.

 

وإذا احتج بعض الأبناء على هذا التّعسف والتّدخل المجحف في حياتهم اُعتبر ذلك من قبل والديهم عقوقَا وتمرّدًا وشقا لعصا الطاعة يتوجب معاقبتهم جراءه من أجل إصلاحهم وإعادتهم إلى سواء السّبيل. وقد يعاقب الطفل صفعا أو تعزيرًا فقط لأنه حاور والديه بحماس ودافع عن فكرته وتشبّث بموقفه، أو لأنّه تصرّف في موقف ما بقرار منه، ودون رجوع إلى والديه. أو حتى لأنّه رفض تنفيذ أمر ما وتشبّث بموقفه.

 

لكن في حقيقة الأمر لو انكشفت للآباء سلبيات هذا النّمط من التربية، لأدركوا حجم خطئهم وهم يُخرسون ألسنة أبنائهم، ويصدّونهم عند التعبير عن رأيهم، ويقزّمون مواقفهم ويمنعونهم من الفعل، أو يجبرونهم على تنفيذ أمر ما لا يحبونه، و لو علموا ذلك لما تردّدوا في ترك المجال لهم للتفكير والتعبير واتّخاذ المواقف، والمبادرة. فهؤلاء الآباء لا يعلمون أنهم يدمّرون أبناءهم حين يربّونهم هذه التربية.

 

وللأسف الشّديد من الآثار السلبية لهذا النمط التربوي على الطفل أنه يتحول شخصيّةً تفضل البقاء في منطقة الأمان التي رسمها لهم الآباء والمجتمع، لا خطر فيها ولا جهد غير الالتزام بالقواعد والقوانين الصارمة التي ضُبطت لهم، لذلك ترى صاحب هذه الشّخصية يرضى بالقليل ولا يستطيع أن يغامر من أجل الأفضل خشية الفشل، فالفشل هو عدوّه اللّدود لأنه يجعله يحسّ أنّه لم يعد مثاليّا ورائعا ومرضيّا عنه، وبالتالي فهو غير جديرة بالحبّ.

 

وإذا أصبحت شخصيّة الطفل شخصية قياديّة وتقلّدت مهام الصّدارة، فإنه لا يمكنها التفكير على المدى البعيد الطويل لأن معظم تفكيرها ينصب على نفسها، كيف تستمرّ في هذا المنصب حتّى تظل محلّ إعجاب ومحل تقدير من الآخرين. ولهذا التّفكير تبعاته وآثاره السّلبية على الشّخص في حد ذاته وعلى محيطه من بعد. وقد يتساءل المرء عن النّمط التربوي السليم؟ وهل هناك منهج مثالي في التّربية يمكن اتباعه والسير على هديه حتى نتجنّب التربية المدمرة.

 

في حقيقة الأمر لا يوجد نموذج تربوي موحّد يمكن تطبيقه على جميع الأطفال وبنفس التفاصيل، لأن ما ينطبق على طفل قد لا ينطبق على آخر، وما يصلح في بيئة قد لا يصلح في أخرى، وهذا ما عبّر عنه الكاتب الفرنسي جان جاك روسو في كتابه “إميل أو التربية”: “يجب أن تكون التربيةُ المقترحةُ مناسبةً للإنسان ملائمةً للقلب البشري… فإن تربية ما يمكن أن يُعمل بها في سويسرة ولا تُتّخذ في فرنسا، وإنّ تربية أخرى يمكن أن تكون صالحةً للبرجوازية، وإنّ تربية غيرها تصلح للأشراف”.  بل لا يمكن أن نطبق على أبنائنا حتّى النموذج التربوي الذي خضعنا له في صبانا لأنّ ما يصلح في التربية لزمنٍ ما لا يُمكن أن يصلح لغيره، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “لا تربّوا أولادكم كما ربّاكم آباؤكم فقد خُلقوا لزمان غير زمانكم”. ورغم أن الجميع يؤمن أنّ لكل عصر مميّزاته وظروفه إلاّ أن معظم الآباء يُسقطون ما تعلّموه في الصغر على أبنائهم.

 

لكن جميع مذاهب التّربية ومشاربها السليمة تتفق على أنّ التربية الحقيقية هي التّربية الإنسانية القائمة على الحبّ اللاّمشروط، والتي تتبنّى فكرة أن الطفل إنسان خاضع للقانون الكونيّ “الخطأ والصواب، النجاح والفشل….”. وبين هذه الثنائيات تنمو شخصيّته وتتطوّر حتى تنضج وتصبح فاعلةً مؤثرةً في المجتمع. فالتربية هي تمرين مستمرّ على فنون الحياة، وليست تعاليم تُلقى على الطّفل وعليه اتباعها.

 

وبين التّعاليم والتمارين مسيرة بناء شخصيّة فاعلة مؤثّرة في محيطها ومن حولها. نعم الأب لم يُجعل قاضيًا ليصدر الأحكام على الأبناء، أو حكما ليترصّد أخطاءهم، بل هو مربٍ ينظر إلى ابنه بعين شموليّة في سلبياته وإيجابياته، وعليه تقبله كما هو، وأن يعمل على رتق الفتوق التي في شخصيّته – إن وجدت- دون أن يترك آثار الرّتق، وإلاّ ظهر مكان الرّتق مشوّهًا تحيط به التعرّجات. فالأب في هذه الحالة يغدو طبيبًا جراحًا، وعليه أن يتقن فن الخياطة والجراحة، حفاظا على سلامة الطفل ومستقبله. فالطبيب غير الكفء حتما سيترك آثاره السّلبية على المريض، كذلك المربي غير الكفء.

 

نعم إنّ عملية التربية عمليّة دقيقة وحساسة تتطلب وعيًا ودرايةً، وما على الآباء إلا تقبّل تمرين أبنائهم على فنون الحياة هذه المصحوبة بالأخطاء بكلّ حبّ وبشكل غير مشروط، ففشل ابني في امتحان ما لا يعني بأنّ ذلك سيقلّل من حبي له، بل بالعكس سيتضاعف هذا الحب لأنّ إبني في هذه الحالة يحتاج مني مزيدًا من الدّعم العاطفي والمادّي ليتجاوز محنته. ولقد أثبتت الحياةُ أن الفشل ما هو إلا بداية لنجاح أكبر، فلولا خيبات تومس إديسون المتعدّدة لظل العالم يسبح في الظلمات، ولولا جُروح عباس ابن فرناس البليغة إثر محاولة طيران فاشلة لما تنقلنا عبر القارات. ولذا علينا أن ننظر إلى أبنائنا على أنهم مشروع نجاح قد يتعثر مرّات لكنهم في آخر الأمر سوف يصلون إلى بر الأمان بإذن الله.

 

ولا يعني هذا أن نترك لأبنائنا الحرية المطلقة في التّصرف، ونغض الطرف عن أخطائهم وسلوكهم غير المرغوب فيه، بل يجب أن نعمل منذ ولادة الطفل على رسم الحدود والضّوابط المسموح فيها بالخطأ. والطفل في البدايات الأولى من عمره مثل الغرس الندي الطريّ حيثما وجهته يميل، وهذا الغرس الندي إذا وجد المربي الجيّد والمرشد الواعي آتى أكله صلاحًا وفلاحًا واستقامة. أما إذا كان هذا المربي غير مدرك لأبجديات التّربية وفلسفتها فإنّ هذا الغرس ستغزوه الأعشاب الطفيلية، تأكل جوهره وتترك قشوره.

 

ولمن أراد نموذجا تربويّا يسترشد ويقتدي به في تربية أبنائه ما عليه إلا العودة إلى السّيرة النبوية وتراثنا الإسلامي، بعيدًا عن النماذج التّربوية الغربية التي وضعت على مقاسات مجتمعاتها الرّوحية والمادية، فالرّسول عليه الصلاة والسلام هو من ربى الصّحابة مستنيرًا بكتاب ربّه. فقد كان يأكل معهم ويوجّههم ويصحح أخطاءهم. ففي حجر الرّسول نشأ علي بن أبي طالب، وطلحة وزبير والحسن والحسين، وغيرهم من خيرة فرسان المسلمين، ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم آذى واحدا منهم أو أخطأ في حقّه. بل أعطاهم الألقاب التي تليق بهم؛ أسد الله، أمين الأمة، حبر الأمة، حكيم الأمة ــ سيد الفوارس، سيف الله المسلول.

 

وقد يتساءل المرء: أليست هذه دعوة للعودة إلى نموذج تربوي مضى عليه ما يزيد عن 1400 عام؟ صحيح أن هذا النموذج التربوي مضت عليه قرون عدة، لكنّه ضبط المبادئ الإنسانيةّ الكبرى في التّعامل مع الصغير والكبير، فمقاصد هذا النموذج التربوي جعلت منه نموذجًا صالحًا عبر الأزمان، لأنها نابعة من جوهر الإنسان وروحه، قامت على الرّحمة والتّسامح والمودة والمحبّة قبل كلّ شيء. وإذا توفّرت هذه المعاني في أيّ نموذج تربويّ كانت كفيلة بنجاحه.

 

ولمن أراد أن يربي ابنه تربية سليمة عليه أن يكون مثلاً يقتدي به ابنه، وهذا ما يسمى التّربية بالنّموذج أو القدوة، فالطفل في بداية حياته ينشأ باحثًا عمن يقلّده ويقتدي به، فإذا وجد ضالته في والده، سار على نهجه واقتدى به، أمّا إذا كان الأب مصدر رُعبٍ وخوفٍ وعقابٍ، أو كان مشغولاً لا يعير ابنَه أيّ اهتمام، فإن الطفل في هذه الحال يبحث عن بديل يقتدي به. وفي هذه الحالة على الآباء أن يتقبّلوا هذا البديل لأنّهم تركوا خواء في وجدان أبنائهم في حاجة لمن يشغله.

 

للأسف الشّديد معظم المُقدمين على الزّواج في عصرنا الحالي يخطّطون ويحسبون بدقّة كلّ تفاصيل الزّواج، فيناقشون تكاليف العرس والأثاث ويوم الزفاف، وحتى أيّام شهر العسل، وهنا تتوقف مخطّطاتهم وكأنّ ما بعد شهر العسل لا يحتاج تخطيطًا أو دراسة، ولذلك تبدأ بوادر الأزمات والمشاكل الزّوجية بعد أشهر قليلة من الزّواج. وبطبيعة الحال لا تدخل تربية الأبناء ضمن مخططاتهم ودراساتهم، ولذلك عندما يأتي المولود الأول يُصاب الوالدان بالذّعر والتّوتر الذي ينعكس على علاقتهم فتكثر بينهم الخلافات والمشاحنات، وهذه حال كلّ من لم يحسب حسابه بشكل سليم.

 

إن كل من يبحث عن التّربية السليمة عليه أن يدرك أن تربية الأبناء في عصرنا الحالي شأنها شأن تعلّم أي شيء آخر يحتاج إلى معرفة ودراية مسبقة، فإذا كنت تحتاج رخصة سياقة لقيادة سيارة أو طيارة، وتحتاج إلى شهادة لاستخدام الحاسوب وممارسة مهنة ما، فإنّ التّعامل مع الأطفال يحتاج أيضًا إلى شهادة في التربية. ونظرا لعدم توفر مراكز ومعاهد توفّر هذا النّوع من الشّهادات في معظم الدول العربية، فعلى المُقبلين على الزّواج أن يجتهدوا في الاطلاع على الكتب التي اهتمت بتربية الأطفال، من فترة الحمل الأولى حتى فترة البلوغ والنضج.

 

وقد يقول المرء إن آباءنا وأمّهاتنا ربّونا دون أن يطّلعوا على كتبٍ في التّربية، أو تكون لهم ثقافة تربوية تذكر. هذا صحيح، ولكن لو تأمّلنا جيدًا في محيط تربية الطفل العربي في القرن العشرين أو حتّى قبله فسنلاحظ أن الطفل ينشأ بين ثلاث مؤسسات كبرى، الأسرة والمسجد، والمدرسة. وهذه المؤسسات كان لها أثر تربويّ كبير في حياة الطفل عكس أيامنا الحالية التي تراجعت فيها هذه المؤسسات عن دورها الرّيادي ألا وهو عملية التربية. فالأسرة انشغل فيها الأبوان باللّهث خلف لقمة العيش، وإن توفرت اللقمة تطلّعوا إلى الرفاهيات وغيرها، والمساجد تراجع دوره كثيرًا، أمّا المدارس فأصبح دورها مقتصرًا على التعليم لا غير.

 

وأمام هذا الوضع أصبحت عملية تربية الأبناء تواجه تحديّاتٍ كبرى لا سيما في ظل استفحال هوس الأبناء بوسائل التكنولوجيا الحديثة (هواتف ذكية، ألواح ذكية …). بل أصبحت هذه الوسائل وما فيها من مواقع تواصل اجتماعي تساهم في تربية الطفل وتَنحت شخصيّته، فتحدّد ذوقه وتوجّه فكره. وهكذا أصبحت المسؤولية أمام الآباء كبيرة، إمّا أن يعزّزوا ثقافتهم التربوية ويحتوون أبناءهم وإلا خسروا المعركة. وهنا فإنّ مسؤولية تربية الأبناء لا تقع فقط على عاتق الوالدين، بل تقع كذلك على عاتق المؤسسات التربوية (دور حضانة، مدارس وزارات)،وهي مطالبة بالتّعاون لصياغة خطة شاملة لتربية أجيال المستقبل التي هي مستقبل البلاد وأمل نهضتها.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet