الإســلام والمـدنيـّـة

يمكنك تقييم هذا المقال.
عدد التقييمات: 1

بقلم: الأستاذ الأمين الكحلاوي

 

مقدمـــة

إن الاجتماع البشري ضروريّ، ذلك أن الإنسان مدنيّ بالطبع حسب رأي ابن خلدون، وهو كائن اجتماعيّ حسب تعريف دوركهايم. فالإنسان في حاجة إلى غيره لتنتظم حياته. وقد اقتضى ذلك منه إقامة عقد اجتماعي يضبط من خلاله مختلف علاقاته حتى لا يتصادم مع غيره فتتحوّل حياته إلى نظام الغاب. وقد حاول الإنسان منذ قرون تنظيم علاقاته مع غيرة وفق قوانين وسلوكات تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون والتّضامن ليضمن لنفسه حياةً طبيعيّة، قوامها الأمن والطمأنينة والنمو والرفاه والحرية والكرامة البشريّة، بعيدًا عن التقاتل والصراع والنزاع.

 

ولكن المشكل يتمثل في من يحدد المصلحة بما يخدم الجميع متعاليًا عن الذاتية والأنانية والايدولوجيا ؟ وهل الإنسان قادر على تقدير المصلحة له ولغيره؟ واختلفت الآراء في تحديد المرجعية التي يقوم عليها هذا العقد. وهذا العقد يصوغه الجميع ويتفقون حوله على أن يكون مراعيًا للاختلاف العرقيّ والجنسيّ واللغوي والثقافي والعقدي.

 

وقد أثير هذا الإشكال في الغرب بعد أن مرّ بالتجربة الدينيّة المسيحية، وانتهى به الأمر إلى الثّورة ضد الكنيسة وضد الحكم اللاهوتي والدّولة الدينية، فتم استبعاد الدين من مجال الحكم والسياسة خاصة.

 

وما دعاني إلى الاهتمام بهذا الموضوع هو ما أثير من جدل في العلاقة بين الدّين والسّياسة والحياة عموما إثر قيام ثورات الرّبيع العربي ضد الاستبداد والدكتاتورية. فتدافعت بسبب ذلك المشاريع المجتمعيّة المتعدّدة والمختلفة داخل البلد الواحد، وطرحت مسألة الدولة المدنية، ففي تونس مثلاً حصل جدل ونقاش حادّ داخل المؤسسة التشريعيّة أثناء صياغة بعض فصول الدستور. وخشي البعض من مصادرة الحريات الجماعيّة والفرديّة إثر فوز الإسلاميّين في بعض بلدان الثورات العربية.

 

وثار جدلٌ  كبيرٌ حول التّجارب السابقة التي وظفت الدين لتبرير سياسة الحاكم الاستبدادية أو إعادة إنتاج دولة مستبدة جديدة تحكم باسم الدين، مما جعل البعض يرفض إقحام الدين في السياسة. ونادى قوم آخرون باستبعاد الدّين من الحياة واستنساخ التجربة الغربيّة كشرط من شروط التقدّم والحفاظ على مدنيّة الدّولة مدّعين أن الدّين يهدّد مدنية الدّولة.

 

1- مفهوم الدّولة المدنيّة

هي حسب أحمد الأنصاري “دولة ديمقراطيّة تسمو فيها الإرادة الشّعبية لتكون المحدّد في اختيار من يحكم ومن يقرّر، ومن يشرّع ومن يحاسب، ولذلك فهي تنحني لإرادة الأغلبيّة وتحترم حقوق الأقلية وتنظم التّداول السّلمي على السّلطة، وتقرّ مبدأ فصل السلطات، وتقيم قطيعة مع كل مفردات التّسلط والاستبداد والفكر المطلق تحت أي مسمى، سواء  كان دينيّا أو إيديولوجيّا “[1] .

فالدولة المدنية هي دولة المواطنة وسيادة القانون،  تعطى فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة، فلا يكون فيها التّمييز فيها بين المواطنين على أساس الدّين أو اللّون أو العرق أو الجنس، وهي دولة تضمن احترام  حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام التعددية والتّداول السلمي على السلطة، وتستمد السلطة شرعيّتها من اختيار الجماهير وتخضع للمحاسبة من قبل الشّعب عن طريق نوابه. يقول خالد يونس خالد “المواطنة لصيقةٌ كلّيا بالدّولة المدنية، فلا دولة مدنيّة بدون مواطنة، ولا مواطنة بدون دولة مدنية… ذلك يعني انعدام التّمييز بين المواطنين بسبب قوميّتهم، كبيرة كانت أو صغيرة، أو جنسهم رجالا كانوا أو نساء، أو مركزهم الاجتماعي أغنياء كانوا أو فقراء، أو دورهم السّياسي رؤساء كانوا أو مرؤوسين، أو فكرهم يساريين كانوا أو يمينيين، أو عقيدتهم أو مذاهبهم مسلمين كانوا أو مسيحيين أو يهود أو …”[2].

 

2- في الفرق بين الدولة المدنية والدولة الدينية

تقوم الدّولة الدّينية على اعتبارات ثلاث:

  • أولا: كون الحاكمين يعبّرون في قراراتهم عن إرادة إلهية مقدسة أو اعتبارهم معصومين لا يخضعون للمحاسبة والمراجعة والعزل.
  • ثانيا: شرعيتهم تستند إلى حق دينيّ لا إلى الاختيار الطوعيّ الحرّ للمواطنين.
  • ثالثا: كونها منحازة دينيّا لا تضمن حقوق أتباع الديانات من شعبها ولا تساوي بينهم في الحقوق.

أما الدولة المدنية فتقوم على:

  • أولا: شرعية الحكام بشريّة تستند إلى الاختيار الطوعي الحر للمواطنين.
  • ثانيا: الحكام يخضعون للمحاسبة والمراجعة والعزل.
  • ثالثا: الدولة تضمن حقوق الجميع على اختلاف دياناتهم.

فهل في الإسلام دولة دينيّة بمثل تلك المواصفات؟

 

بالرجوع إلى  وثيقة المدينة التي اعتبرت أول وثيقة دستورية في الإسلام نتبين من خلال فصولها أسس الدولة في الإسلام إذ يقول أحمد بوعشرين الأنصاري :”وتعد وثيقة المدينة دليلاً قاطعًا على انتفاء الصفة الدينية عن الدولة في التصور السياسي الإسلامي، إذ هي دولة مدنية تتعدد فيها الأطياف الدينيّة، وتتعايش في ظلها تحت عنوان المواطنة الكاملة التي لا تشترط الاعتقاد أساسا لها”[3]،  فقد ورد في هذه الوثيقة البند رقم 25 :”محمد والمسلمون من قريش ويثرب ويهود ومن دخل في حلفهم أمّة واحدة” [4]. وفي فصل آخر:” يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم “[5]. فلم تفرّق الوثيقة بين المواطنين على أساس الدين.

فلا  فرق إذن بين مفهوم المواطنة كما تعرضه وثيقة المدينة والمواطنة كما تعرفها القوانين المدنية.

 

أمّا الحاكم فهو مسؤول أمام شعبه ولا يحكم باسم الإرادة الإلهية، قال أبو بكر رضي الله عنه عند توليته الحكم :”إني وليت عليكم ولست بخيركم… فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوّموني”. وقال عمر بن عبد العزيز :”إنّما أنا واحد منكم غير أنّ الله جعلني أثقلكم حملاً “.

 

أمّا آلية اختيار القرار فتقوم على مؤسسة الشورى: “وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”[6]، ويقول محمد عمارة: “والأمة هي مصدر السلطات شريطة ألا تحل حراما ولا تحرم حلالا جاءت به النصوص الدينية، قطعية الثبوت والدلالة ” [7].  وهكذا نتبين أن الحاكم  في الإسلام لا يحكم باسم الإرادة الإلهية،  إلا أن كثيرا من النخب العربية دعت إلى نسخ التجربة الغربية وذلك باستبعاد الدين بصفة تامة من مجال السياسة والتشريع زاعمة أن ذلك هو مفتاح التقدم والتطور، وهو قياس خاطئ، يقول خالد يونس خالد:” فما تعرض له الإنسان الأوروبي في عهد تحكم الدّين (الكنيسة)، والتي جعلته ينفر من كلّ ما يمت إلى الدّين بصلة في كل نواحي الحياة …لم تكن موجودة في تجربة الإنسان المسلم مع دينه الإسلامي، وعليه فإنّ نسخ تجربة الأوروبيين في العلمانيّة لاستخدامها في مجتمعنا المسلم تفتقر إلى الموضوعيّة على أقل تقدير”. [8]

 

3- هل من تضارب بين مفهوم الدولة المدنية والمرجعية الإسلامية؟

إن المرجعيّة في الإسلام دينية تنطلق من الأحكام الشرعية ومفهوم الحلال والحرام، في حين تستند الدّولة المدنية إلى العقل فقط. إن الأمر يعود إلى اختيار الشعب لمرجعيّته، فإذا كان الاختيار حرّا دون إكراه فإن للمواطن الحق في اختيار ما يناسبه من مرجعيات، على أن اختياره مثلا المرجعية الإسلامية لا يمثل خطرًا على المدنية ولا على الديمقراطية. ذلك أن المرجعية الإسلامية لا تفترض أبدا قداسة الممارسة السياسية. فالحاكم تصرفاته اجتهادية قابلة للخطأ والصواب، وهو خاضع للمراقبة والمحاسبة والعقاب والعزل، يقول القرضاوي: “والحاكم في الإسلام واحد من النّاس ليس بمعصوم ولا مقدّس، وهو يستمدّ سلطته من النّاس لا من الله، والحاكم في الإسلام ليس وكيل الله بل هو وكيل الأمّة أو أجيرها “[9]، ويقول في كتابه “من فقه الدّولة في الإسلام: “إنّما الدّولة الإسلامية دولة مدنية تقوم على أساس من الاختيار والبيعة والشّورى ومسؤولية الحاكم أمام الأمة”[10]، ذلك أن الجانب الدنيوي يراعي مصلحة الإنسان ويحفظها رغم مرجعيّته الدّينية، يقول القرضاوي :”إنّها دولة مدنية تقيم في الأرض أحكام السّماء “[11]، وأمّا الماوردي في “الأحكام السّلطانية” فيقول:” الإمامة عقد مراضاة واختيار لا يدخله إجبار ولا إكراه ” [12].

 

– هل إقامة الدولة ضرورة أم اختيار؟

إنّ غاية الدولة في الإسلام إقامة العدل وتحقيق المصلحة فابن القيم يقول :”أينما وجدت المصلحة فثم شرع الله”، والقرآن الكريم أسّس لمبدأ العدل إذ يقول الله عز وجل :”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ  إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا  فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا   وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا” المائدة 8.

 

والحرية والعدل وتحقيق المساواة بين أفراد الشعب هي أهداف تسعى إلى تحقيقها كل الأنظمة الديمقراطية، وهذه الأهداف هي نفسها التي حرص عليها الإسلام وحاول تجسيدها في الواقع. ولم يميز بين الناس في إقامة العدل على أساس ديانتهم أو ألوانهم أو أعراقهم. وقد اعتبر ابن خلدون العدل أساس العمران، وأظهر من اشتهر بتطبيق العدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

أما الشرعية في الدولة فترتبط بالجماعة السياسية، وليس بشعارات الحل الإسلامي أو العلمانية أو تطبيق الشريعة، يقول الدكتور جاسر عودة في كتابه “الدولة المدنية نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة” :”دولة تحفظ العدل وحقوق المواطنين في المجتمع المدني من الاعتداء بحماية القانون لهم “[13].

 

4- الإسلام والقيم المدنية

نعني بالقيم المدنية تلك القيم الحضارية كالتعاون والتضامن والتعايش والاحترام والأمانة والنظافة والنظام والتّعددية وغيرها “إذ عمل الإسلام على تحقيق مبدأ التسامح الديني المفضي إلى التعايش السلمي والتعاون بين الأفراد، والقضاء على الطبقية والعنصريّة والطائفية، وعملت على سيادة العدل والمساواة في الحقوق والواجبات العامة أمام القانون وغيرها من المبادئ والقيم الإنسانية النبيلة” [14]. وهي قيم اجتماعية أكّدها الإسلام ودعا إليها، وجعلها مقياسا للإيمان الصحيح والكامل، واعتبرها عبادات تعامليّة لا تقل قيمة عن العبادات الشعائرية، بل لا تصح تلك العبادات الشعائرية كالصلاة والصوم مثلا إلا إذا صحت العبادات التعامليّة ، فقد قال صلى الله عليه وسلم :”ليس بمؤمنٍ من بات شبعان وجارُه إلى جنبِه جائعٌ وهو يعلمُ” [15].

 

ولقد كان الإسلام في تاريخه سببا في تيقظ الفكر المستنير، فوضع أسس التطور العلمي لأوروبّا، وكان سببا من أسباب نشأة المدنية الحديثة. فإذا كانت المدنية الغربية تمجد العقل فإن الإسلام كان سباقًا إلى ذلك من خلال الاختراعات والاكتشافات والابتكار يقول محمد عمارة “لقد أثرت العلوم التجريبية تأثيرًا أشدّ من مجرد نوع من شرارة انطلاق لخطة جاهزة للعقل الأوروبي، لقد أمدت الاستعداد الموجود في الغرب بالمادة المشتعلة المفجرة وأيقظت الاستعدادات العقلية التي كانت تغط في سبات عميق، وأطلقت العنان للقوى التي كانت لا تزال متخلّفة، ووضعت التطور العلمي لأوروبا في المسار الصحيح “[16]. وقد قال جوثان ليونز:” أدى وصول العلم والفلسفة العربيين إلى تحويل الغرب المتخلّف إلى قوة علمية وتكنولوجية عظمى”[17].

 

يقول جوستاف لوبان “نثبت الآن أن تأثير العرب في الغرب عظيم، وأن أوروبة مدينة للعرب بحضارتها …وترى تأثيرهم العلمي والأدبي والخلقي فيه عظيما” [18]، فالمسلمون هم من وضع أسس العلوم الحديثة كالطب والرّياضيات وعلم الفلك والجغرافيا والفيزياء والكيمياء…ويقول جوستاف لوبان كذلك “وإن العرب هم الذين فتحوا لأوروبة ما كانت تجهله من عالم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، فكانوا ممدّنين لنا وأئمة لنا ستة قرون”[19]، وقال مسيو ليبري:” لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لـتأخّرت نهضة أوروبة في الآداب عدة قرون”[20].

 

وقد حارب الإسلام كل مظاهر الخرافة والشّعوذة والأوهام مؤكدًا على احترام العقل وإعماله في الحكم على الأشياء وفي الاختيار الحرّ والتفكر والتدبر، بل وحارب التقليد الأعمى والتلقين السلبي، ولا يختلف الإسلام هنا عن المدنية في شيء. يقول علي عزت بيغوفيتش “إنّ الدّين الذي يريد أن يستبدل التفكير الحرّ بأسرار صوفية والحقيقة العلميّة بعقائد جامدة والفاعلية الاجتماعية بطقوس لا بد أن يصطدم بالعلم” [21].

 

كذلك من المبادئ التي نادت بها المدنية الحديثة الحرّية، إذ جعلتها جوهر الحياة الإنسانية، وكذلك الإسلام رفع من قيمة الحرّية، وأعلى شأنها ولم يستثن أهم مسائل الدين من تلك الحرية، فقال عز وجل “وقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ  فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ” (الكهف 29)، وقال: “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ” (البقرة:256) . وجعل الحرية مناطا للتكليف لذلك، لم يكره الإسلام أحدًا على الإسلام، ولم يفرض على أحد تغيير معتقده بالقوة والقهر، قال تعالى “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ”، و قال صلى الله عليه وسلم : “عن آبائِهم دِنْيةً، عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ألا مَن ظلَمَ مُعاهَدًا، أو انتقَصَه، أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه، أو أخَذَ منه شيئًا بغيرِ طِيبِ نفْسٍ، فأنا حجيجُه يومَ القيامةِ. ” [22].

 

وعَنْ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ‏أَنْ النَّبِيِّ ‏صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ‏‏قَالَ: “‏مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا” .[23]

 

وقد عقد عمر بن الخطاب عهدًا مع أهل إيليا اهل فلسطين  يعرف بالعهدة العمرية جاء فيها :”هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيليا من الأمان؛ أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنّها لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم “[24]. وتتجسّد أسس معاني التحضر واحترام الآخر وعدم الإفساد في الأرض في قانون الحرب الذي وضعه النّبي صلى الله عليه وسلم فقال: “…قاتلوا من كفر بالله واغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا..” رواه مسلم . [25] ولا تستبيح قوانين الحرب في الإسلام دماء الأطفال والنساء والشيوخ والرهبان، ولا ترضى بقطع الشجر وهدم البناء وحرق المزارع إلا لضرورة حربية. وحارب الإسلام كل أنواع التسلط والاستبداد والظلم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”.

 

وتصدى الإسلام للفساد بكلّ أنواعه، وفي كل المجالات كالسرقة والرشوة والتعدي على أموال الناس وأكل أموال الناس بالباطل والتبذير وغيرها، ورتب على ذلك عقوبات مختلفةً حفاظا على سلامة المجتمع والفرد، وتأمينا لشروط الحياة الآمنة الكريمة، وتشجيعا على الاستثمار والعمل. وحث الإسلام على النظافة العامة والخاصة، وحث على الزينة واعتبر ذلك من حسن الذوق وعلامة من علامات التحضر واحترام الإنسان، وجعل الطهارة شرطًا من شروط صحة العبادة تقول زيغريد هونكه : “وبفضل التقليد العربي فقط عادت النظافة الضائعة وعاد الاعتناء بالصحة إلى بلاد الغرب عن طريق الصّليبيين والمسافرين القادمين من اسبانية وصقلية على الرغم من ضغط السلطة الشديد وتزمت الكنيسة”[26].

 

وأمر الإسلام بالمحافظة على البيئة والمحيط أن تمسها يد الإنسان بالعبث والفساد والإتلاف بغير وجه حق فحرم التبول في الماء الراكد أو التغوط في الظل، ورتّب على رفع الأذى من الطريق أجرًا عظيمًا. وحرّم قتل الحيوان بدون ضرورة، أو حبسه أو تعذيبه أو اتخاذه هدفًا للتسلية. وحرم المناطحة بين الحيوان، وحرّم حرق بيت النمل، وأدخل امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا، وأدخل امرأة بغيّا الجنة لأنّها سقت كلبا عطشان، فكان سباقا في رعاية الحيوان وحمايته وذلك محافظة على التوازن البيئي وتوفير شروط الحياة للكائن الحي، فهذه المخلوقات أمم أمثالنا. يقول عبد المجيد النجار: “والمتأمّل في أحكام الشريعة يجد أن كثيرًا منها إنّما شرع لتحقيق مقصد حفظ البيئة الطبيعية أن تعمل فيها يد الإنسان بتصرفات تخل بنظامها أو تعطل مقدراتها…أو تربك توازنها…على أن حفظ البيئة من الفساد مقصد ضروري من مقاصد الشّريعة” [27].

 

5- المقاصد الشرعية والأبعاد الحضارية

لقد نظم الإسلام حياة الإنسان وفق ضوابط وأحكام تراعي قدراته الجسدية والنفسية والعقلية والفطرية، فلم ترهقه بتكاليف فوق طاقته وإمكاناته. ولم تحرمه من تحقيق رغباته وأهدافه، بل حدّدت له مجال الحركة في الحياة بما لا يؤدي إلى هلاكه أو ضرره. فحرّمت كل ما يذهب عقله ويعطل مهمته كالمسكرات والمخدرات، وحرمت ما يفسد تفكيره السليم كالشعوذة والسحر والكهانة. وحرمت القتل وإلحاق الأذى بالغير بغير وجه حق صونا للحرمة الجسدية ولكرامة الإنسان.

 

وحرمت العلاقات الجنسية خارج الزّواج كالزّنا والشّذوذ للحفاظ على السلامة الجسديّة والصّحية من الأمراض، وحفاظا على الأعراض واختلاط الأنساب وما ينجر عنه من الأمراض المنقولة والأمراض النفسية. وجعل الإسلام لكلّ شهوات الإنسان مسالك نظيفة يصرفها فيها دون كبت ولا حرمان ولا إضرار بنفسه ولا بغيره. يقول ابن خلدون في المقدمة: “ومثل ما يذكره الفقهاء في تعليل الأحكام الشّرعية بالمقاصد في أن الزّنا مخلط للأنساب، مفسد للنّوع، وأن القتل أيضا مفسد للنّوع، وأن الظلم مُؤذن بخراب العمران المفضي لفساد النوع، وغير ذلك من سائر المقاصد الشّرعية في الأحكام فإنها كلها مبنية على المحافظة على العمران”[28].

 

فتشريعات الدولة في الإسلام وقوانينها، وإن كانت مستمدة من الوحيين فهي تراعي أبعاد الإنسان المختلفة النفسية والجسدية والعقلية والروحية. وهي واقعية عملية لا تتصادم أبدا مع الفطرة البشرية، تؤمن بالعقل والعمل وتدعو إلى التقدم والتطور وتشجّع على الاختراع والإبداع وتفتح المجال واسعًا للبحث في الكون والسير في الأرض  واستغلال خيراتها. فلا تصادم في الإسلام بين العقل والوحي، ولا بين المادة والروح، بل تفاعل وتكامل وتزاوج. ويرى محمد يوسف عدس في تقديم كتاب على عزت بيغوفيتش “أن عداء الغرب للإسلام يرجع إلى تجربته الخاصة مع الدّين وإلى عجزه عن فهم الإسلام لسببين هما؛ طبيعة العقل الأوروبي أحادي النظرة وقصور اللغات الأوروبية عن استيعاب المصطلحات الإسلامية”.[29] فالإسلام حسب علي عزت بيغوفيتش ليس مجرد دين أو طريقة حياة فقط، وإنما هو بصفة أساسية مبدأ تنظيم الكون “[30] فالإسلام دين ودولة وحضارة.

 

وما نلاحظه عموما أن ما اعتبرته المدنية الحديثة قيما حضارية وجب الحفاظ عليها والدفاع عنها لم تبلغ فيه الغاية التي بلغها الإسلام، فقد شاب تطبيقاتها الكثير من التجاوز والنقص والتقصير في كل الأنظمة التي تدعي المدنية والتحضر. وأما الإسلام فمدني بطبعه، غير متعال عن الإنسان ولو أخذ بهذا الدين غير المسلمين لانصلح حالهم .ويروى أن نابليون أخذ معه “مختصر خليل” في الفقه واستفاد منه بعض التشريعات والاحكام. ترجمه الدكتور نيكولا بيرون، بإيعاز من الحكومة الفرنسية، وفعلاً ضم القانون الفرنسي أحكاماً واضحة نص عليها المذهب المالكي؛ كحرية المتعاقدين، وانتقال الملكية للموكل، وعقد الإيجار، والتزامات المؤجر وغير ذلك؛ يقول سيد عبد الله علي حسين “فترجمت فقه القانون المدني الفرنسي وقارنت أصوله وقواعده بما يوافق أو يخالف ذلك من مذهب الإمام مالك، فكان ذلك دليلا على ما ادعيت من أن القانون المدني الفرنسي مأخوذ من مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه “.[31]

 

الخاتمـــة

ما نستنتجه إذن أن الدولة في الإسلام دولة مدنية، تستمد شرعيتها من الشّعب وفق الاختيار الحر بالبيعة أو بالانتخاب، وأن الحاكم فيها ليس فوق القانون ولا يحكم باسم السماء، وإنما هو منتخب يخضع للمراقبة والمحاسبة، ويمكن عزله إذا لم يحترم إرادة الشعب. وهي دولة قائمة على أساس المواطنة وسيادة القانون والمساواة والعدالة والشّورى، وهي ترفض الاستبداد والتسلط والدكتاتورية وتحترم التعددية والتداول السلمي على السلطة. وهي دولة مدنية قائمة على أسس حضارية وقيم تحفظ وجود الإنسان وحريته وكرامته، وتدفعه نحو الابتكار والإنتاج والإبداع.

 

هوامش البحث: 

[1] احمد بوعشرين الأنصاري، مفهوم الدّولة المدنية في الفكر العربي والإسلامي، سلسلة دراسات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قطــر، ص 24.

[2] خالد يونس خالد، “الدولة المدنية: الحوار المتمدن”، مقال منشور سنة 2005 في مِؤتمر الدولة المدنية في لندن 2005.

[3] أحمد قائد الشعيبي، وثيقة المدينة المضمون والدلالة، كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،  قطر السنة 25، العدد110، ديسمبر 2005، ص 24.

[4]  المصدر السابق نفسه، ص 25.

[5] المصدر السّابق نفسه،  ص 25 .

[6] سورة الشورى، الآية 35.

[7]  محمد عمارة، في النظام السياسي الإسلامي، مكتبة الإمام النجدي للنشر والتوزيع، ط1، القاهرة 2009م،  ص 45.

[8] الدولة المدنية: الحوار المتمدن، مقال منشور سنة 2005 في مؤتمر الدولة المدنية، لندن 2005 م، ص 21.

[9] يوسف القرضاوي، التطرف العلماني في مواجهة الإسلام، مكتبة الشروق الدولية ط1، القاهرة 2005، ص 74- 77.

[10]   يوسف القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، دار الشروق، ط3، القاهرة 2001،  ص 60.

[11] القرضاوي، المرجع السابق، ص33 ,

[12] الماوردي، الأحكام السلطانية، تحقيق أحمد جاد، دار الحديث، القاهرة 2006،  ص 26.

[13] جاسر عودة، الدولة المدنية نحو تجاوز الاستبداد وتحقيق مقاصد الشريعة، الشبكة العربية، ط1 ، بيروت 2015م،  ص 73.

[14] أحمد قائد الشعيبي، وثيقة المدينة المضمون والدلالة، كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، السنة 25، العدد 110، ديسمبر 2005، ص 24.

[15] رواه عبد الله بن عباس.

[16] محمد عمارة، هذا هو الإسلام، مكتبة الشرق الدولية  ط 1 ، 2005، ص 99.

[17] جونثان ليونز، كيف أسس العرب لحضارة الغرب؟ الدار العربية للعلوم ناشرون، بيت الحكمة، مركز البابطين للترجمة، الكويت د.ت ص 19.

[18] جوستاف لوبان، حضارة العرب، ، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافي، القاهرة 2012، ص 587.

[19] نفس المصدر السابق ، ص 602.

[20] نفس المصدر السابق، ص 589.

[21] نفس المصدر  السابق، ص 365.

[22] حديث رواه شعيب الأرناؤوط ، تخريج سنن أبي داوود

[23] رواه البخاري.

[24]  تاريخ الطبري، دار المعارف، مصر،  ط2، ج 4 ص 436.

[25] حديث رواه مسلم.

[26] زيغريد هونكه ,شمس العرب تسطع على الغرب ,دار الجيل, بيروت ,ط 8, 1993م ,ص54,

[27] عبد المجيد النجار, مقاصد الشريعة  بأبعاد جديدة ,دار الغرب الإسلامي, تونس ,ط 3,   2012 م ,ص 209

[28] ابن خلدون ,المقدمة، دار الجيل، بيروت (د .ت )، ص 43.

[29] محمد يوسف عدس، مقدمة كتاب الإسلام بين الشرق والغرب لعلي عزت بيغوفيتش، مؤسسة بافاريا للنشر،  ط1،  بيروت 1994 ص 19.

[30]  علي عزت بيغوفيتش، الاسلام بين الشرق والغرب، مؤسسة بافاريا للنشر والإعلام والخدمات، ط1، بيروت  ,1994، ص41.

[31] سيد عبد الله علي حسين، المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي، دار السلام للنشر والتوزيع والترجمة، ط1، القاهرة 2001 ، ص62.

يمكنك تقييم هذا المقال.
عدد التقييمات: 1

فكرتين عن“الإســلام والمـدنيـّـة”

  1. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. ﴿ الايــة 8 المــــــائدة. ) ///

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا. ﴿ الايــة 135 النّســـــاء. )

    وشـكــــــــــــــــــــــــــــــــرا صــــديقـــــــي الكــــــــــــــــــــــــريـــــــم !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet