آخر التدوينات :

شهـادة الامتيــاز

بقلم: منجــي الأشعاب

 

  • أهلا يا أمّي: لِمَ عدتِ متأخّرة اليوم؟!
  • لقد ذهبت إلى الحقول المجاورة لأجمع بعض الخضر نطبخها للعشاء.
  • اليوم أيضا سنأكل خضرا. لقد مللتُ.
  • الفصل شتاء ولنأخذ ما يكفينا من الخضر فهي مفيدة لصحّتنا.
  • أريد بيضا مسلوقا. دجاجتنا لم تبض منذ أسبوع اشتقت إلى بيضة حتّى أغيّر رائحة الخضر المتراكمة في معدتي.
  • إذا حصلتَ على شهادة الامتياز أذبحها وأطبخ لك طعاما شهيا.
  • ولكن الدجاجة يا أمّي لم تبت في مكانها منذ يومين. ولعلّها رحلت هي الأخرى وكرهت طعم الخضر.
  • لا بأس يا بني سنجدها، لعلّها سئمت الوحدة فذهبت لتبيت مع دجاج الجيران.
  • أو لعلّها يا أمّي اتّجهت نحو المقبرة تنبش عمّا توارى خلف التراب من ريش ديكها المدفون هناك.

وما إن تناهى إلى مسمعها هذا الكلام حتّى انفجرت عيناها بالدموع، وسرعان ما استدارت حتّى تواريَ ضعفها عن ابنها لكنّه تفطّن إلى الأمر وقال:

  • إلى الآن أبي ينام في المقبرة. لقد تركنا وحيدين يا أمّي.
  • لقد تحمّل الألم من أجلنا … أتركه ينام.
  • لكنّه أبطأ.
  • سيعود إلينا حتما يا بني، محمّلا بأشهى الطّعام. هيّا ساعدني كي نشعل الكانون ونطبخ العشاء.

 

وما إن همّت بقطع الحطب حتّى مزّق عود الحطب يديها النحيفتين فانهمر الدم جاريا. عَلاَ صوتُها من الوجع طالبة النجدة من ابنها هامسة بصوت مغرورقٍ بالدّموع: بني هناك بعض الأوراق والكتب خلف الخزانة، آتني ببعضها لكي أكفكف دمي.

أسرع الابن فأخذ بعضها لأمّه، ولكن صوتا من الكتاب طفق يناديه:

هذا أبي مبروك … هذه أمّي مريم … صباح الخير يا أبي … صباح الخير يا أمّي..

  • سأل أمّه لمن هذا النصّ يا أمّي؟ إنّه يُدغدغ أحاسيسي.
  • – إنّه كتاب قراءة قديم للسنة الأولى جمعته من مكتبة القرية حين أتلفت العديد من الكتب الّتي لم تعد صالحة.
  • ومتى امتنع الكتاب عن النفع، يا أمّي، أليست هذه مقولتك؟!. إنّه نصّ جميل يا أمّي كأنّه يعبّر عمّا بداخلي فأبي مبروك وأنت أمّي مريم. إنّ النصوص الّتي نقرؤها اليوم غير مفهومة وتقول كلاما غريبا. يتحدّثون عن الحاسوب والانترانت والمباني العصرية … وهي عبارات لا أفقه منها شيئا.
  • لا عليك يا بني ولا تشغل عقلك بالفهم اليوم. وعليك ألاّ تفهم بل أجّل الفهم إلى الغد. وكلّ ما عليك أن تفهمه أنّ نصوص القراءة قديما موجّهة إلينا نحن الفقراء والبؤساء، أمّا اليوم فهي موجّهة إلى الأغنياء. فهم فقط لهم الحق في التعلّم أمّا نحن فكيفينا أن نمحوَ الأميّة ونفكّ رموز الكلمات. عندما تكبر ستعلم ذلك.
  • لكن لمَ تطالبيني بشهادة الامتياز والتفوّق مادام أملنا يتبخّر كلّما شارفنا على الفهم؟!
  • فقط لتفرح قلب أمّك لا غير. فشهادة الامتياز نستعملها كهذه الأوراق لنجفّف بها نزيف دمائنا المنهمر، شهادة الامتياز هي الوحيدة الّتي تجفّف مأساتي.
  • عليّ الآن يا أمّي أن استعدّ لامتحان القراءة فهو آخر الامتحانات غدا. وقبل ذلك عليّ أن أشعل الشمعة كي تنير المكان فأتمكّن من قراءة النصّ.
  • لا تفتّش عنها يا ولدي فالشمعة قد تآكلت بأكملها فلم يعد بإمكانها إضاءة المكان.
  • أنت شمعتي يا أمّي ستنيري دربي. ولأجلك سأقترب من الكانون لعلّي أتمكّن من فكّ الحروف وقراءة الأسطر.
  • أنت نبيه يا بني، ستحفظ النصّ بسرعة ولكن إيّاك والكانونَ. فبه نار هوجاء.
  • كتلك النّار الّتي تشتعل بداخلي. ومع ذلك سأقترب منها وأقرأ النصّ الغريب وسأحفظه عن ظهر قلب وأسعى إلى أن أستوعبه. لقد قلت إنّنا غرباء عن هذه النّصوص، ولكن أنحن غرباء أيضا في وطننا؟!
  • الوطن لهم. وما نحن إلاّ عبيد نشتغل لإسعادهم، ونعمل لنحقّق لهم ما يحتاجون.
  • سأكون سيّدا عليهم. هذا وعد يا أمّي.
  • لا تكن سيّدا يا ولدي كن إنسانا رحيما. الأسياد صنو الشياطين.

ثمّ أردفت:

  • دعك من هذا وهيّا بنا لتناول العشاء لأنعم بقسط من الرّاحة فقد أرهقتني مشقّة العمل لساعات طوال في الحقول الفلاحية.
  • غدا يا أمّي سأحصل على الشّهادة وأجفّف دماءك ودموعك.

 

وعلى إثر الانتهاء من تناول الحساء قبّلته الأمّ واحتضنته بين ذراعيها كي تُذهب عنه برد الشتاء القارس. فالغطاء لا يكفي لاثنين أو لعلّه لا يكفي لواحد فقط.

سهر يفكّر في الحوار الّذي دار بينه وبين أمّه، كلام كأنّه الوحي. كانت تسعى فقط لإشباع بطنه الجائع وإدفائه من صقيع الشتاء ها هي الليلة تسعى إلى أن تخاطب عقله. ما انفكّ يخاطب نفسه فأصيب ببعض النرجسية، وظنّ أنّه مع دخوله المدرسة أصبح من العقلاء. ثمّ يتّجه به التفكير صوب عوالم أخرى من الأسئلة غير القابلة للإجابة: ما الدّاعي كي تخاطبه الأمّ بهذا الألغاز. لم ينم ولم يهدأ تفكيره حتّى الصّباح، ومع ذلك لم يدرك الغموض الّذي ينتظره.

تبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، قبّل جبين أمّه وانطلق نحو المدرسة وهو يُردّد اليوم أحصل على الشّهادة لأجفّف دموع أمّي ودماءها.

* * *

خبّأ الطفل أدواته في محفظته البلاستيكية ووضع شهادة الامتياز بعناية كي لا تُمزّق من جوانبها لصغر حجم محفظته واستعدّ للخروج حتّى يُسعد قلب أمّه. لقد حصل على الشهادة الّتي تجفّف الدموع والدماء. وما إنّ رنّ الناقوس حتّى انطلق بسرعة البرق يجوب الجبال والوهاد والفيافي، ويقطع والوديان والشّعاب أملا في إسعاد قلب أمّه تلك الّتي طلّقت الكون من أجل أن ترى بصيص أمل يرتسم على وجهه، تلك الّتي تصارع جبروت الحاجة والفقر والوحدة لترتسم لابنها طريق آمنة غير محفوفة بالمخاطر، تلك التي صدّت تهافت الكلاب عليها حماية لشرف ابنها، تلك الّتي لم تتوان في أن تغرس في ابنها قيم النبل.

 

وما إن أطلّ على قريته حتّى اصطدم بمشهد يندمل له القلب وتنهار له القلوب. فالحافلة  الّتي تقلّ  النساء للحقول الفلاحية المجاورة ملقاة على الطريق والنساء متناثرة كتناثر الحبّ على الطريق. والعويل يتعالى من كلّ صوب وحدب.

 

اقشعرّ جسمه من هول المشهد، تراقصت رموش عينيه، توقّف قلبه عن الخفقان، ارتعشت ركبتاه، انحبست العبرات ورفضت التزحلق نحو  الخدّين المحمرّين من لهيب الفاجعة. تمالك نفسه، استجمع قواه وأعاد التأمّل  فتراءت له عاملات الفلاحة وهنّ منتشرات كانتشار جثث القتلى على السّفوح والوديان. فهمّ الرجال بالمساعدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإسعاف الجريحات منهنّ. أخذ في البحث عن أمّه أملا في أن تكون من المُسعفات، ولكن قلبه قاده إليها  وهي تنزف بدماء تفوح رائحتها عطرا، فذهب الشّحوب عن وجهها واحمرّت وجنتاها جمالا، واخضرّت عيناها بريقا وعلت على شفتيها ابتسامة فرح. اندفع نحوها وأخرج شهادته، طالبا من الجميع أن يبتعدوا كي يُجفّف بها دماء أمّه فتستفيق.

 

مسح دماء أمّه بشهادته ثمّ قبّلها قائلا: لمَ لا تقومي يا أمّي لقد جفّفت دماءك بشهادتي. لقد قلت البارحة إنّ شهادة الامتياز تبعث فيّ الحياة من جديد، ثمّ التفت إلى الجماعة قائلا:

  • ما بالُ أمّي لم تفق لقد جففت دماءها بشهادتي.

ثمّ انهمر بالبكاء، فبكى الكون من حوله.

 

 

 

3 أفكار عن “شهـادة الامتيــاز”

  1. خاطرة مفعمة بمزيج من المشاعر المتناقضة تعبر عن قلق الأنسان في مواجهة الواقع المر وتجسد جهاد جيل ذهبي من أجل الحفاظ على الوجه الجميل للحياة والأمل الوقاد الذي يشد البسطاء إلى الحياة رغم المآسي والنكد الذي سلطه الدهر على فئة من المجتمع لا حول لها ولاقوة إلا الإيمان بالرزاق ذو القوة المتين وبعرق جبينها لا أكثر غالبت الحياة وجاهدت وكدحت ولم تخر قواها ولا فُلّ عزمها صورة من الإنسان الذي ناضل من أجل العيش الكريم ولوحة بديعة رسم من خلالها الراوي صفحة من الحياة هي نموذج لمظاهر عديدة شبيهة بحياة هذه الأسرة في ربوع وطننا وقد لامست جانبا من مشاعرنا وأحيت فينا ذكريات عزيزة على نفوسنا محفورة في أعماق نفوسنا منها استمد كل منا وقود الحياة وأمل المستقبل.
    قصة قصيرة موجزة ولكنها مكثفة الرمز أساسها والنقد البناء خيطها الناظم لها .فكم آمال تبخرت بفعل الواقع الأليم والظروف القاسية.فالظلم الاجتماعي والفقر والتهميش والاستغلال آفات تقتل أحلامنا قبل أن تولد .
    كتابة واعدة بخير كثير وسي منجي على ذلك قدير نأمل أن نرى له رواية متكاملة الأركان في مستقبل الأيام.أما لغة الكتابة فجميلة سليمة فصيحة ثرية وليس هذا بغريب على أهل اللغة العربية.بالتوفيق والسداد .والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

  2. رياح عاتية تهب علينا من كل حدب وصوب ……العولمة تمزّق ذواتنا وتنهش ثقافتنا…وتسرق منا روحنا العتيّة …واقع مرير تجاهد الام ان تجمّله للابن فضاعت الجهات الستّ….عاشت تتمنّي في عنبة وما ان ماتت………. الموت من معدن الفقر صار خبزنا اليومي….حتي الخبز الحافي صار مستحيلا…النص يتجاوز الواقع التونسي المرير المتعقّن بالاسياد الجدد….هل العلم يكفينا…ذاك ظنّ الام…نص مؤلم خطّه المنجي من روحه الحرّي هل النجاة بالعلم…..الفقر والكفر سيان والعلم والمال كل في برزخ لا يلتقيان….النص قويّ بمضامينه وحواره الوهّاح…….ولنا عودة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet