آخر التدوينات :

أية علاقة للمـؤرّخ المغاربي بالمصادر التركية؟

 تقديم: د. مصطفى الستيتي

stitimustafaster@gmail.com

 

إنّ الحديث عن المسألة الاستراتيجية يعني الحديث عن المستقبل، ومن أجل بناء شراكة صلبة ومتينة بين دول المغرب العربي وتركيا في المجالات السّياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها يتعين الأخذ بعين الاعتبار المسألة الثّقافية والتّاريخية، وهي مسألة في غاية الأهمّية.

 

فالثقافة والفكر والتّاريخ محدّد رئيسي لأيّة شراكة مستقبلية بين الطّرفين. ومن هذا المنطلق جاءت مداخلتي للحديث عن ثراء المصادر المعرفيّة التركيّة والتّساؤل عن طبيعة العلاقة بين المؤرخ المغاربي وهذه المصادر، وإلقاء الضوء على العراقيل التي تحول دون استفادة هذا المؤرخ من تلك المصادر ما جعل كتابة تاريخ المنطقة المغاربيّة معتمدًا اعتمادًا شبه كلّي على المصادر الغربيّة، وهي بالتأكيد كتابة غير موضوعيّة وغير محايدة في جوانب كثيرة منها، وحرصتُ على تقديم بعض المقترحات لتفادي هذا النّقص في التعامل مع المصادر التركيّة.

 

تناولت المداخلة هذا الموضوع في ثلاثة محاور كبرى، المحور الأول يتعلق بطبيعة المصادر التركيّة، وهي إمّا أن تكون مصادر موجودة بالفعل في داخل تركيا، أو هي مصادر كُتبت وألّفت باللغة التّركية وتدخل في ذلك اللّغة التركية القديمة، أي العثمانية. وهذه المصادر تضم بشكل خاص الأرشيفات والمكتبات ومراكز البحث. ومن أهم الأرشيفات التي يتعين على المؤرخ المغاربي التّعامل معها الأرشيف العثماني التّابع لرئاسة الجمهورية التّركية، وهو يعدّ من أكبر الأرشيفات في العالم، ويحتوي على نحو 150 مليون وثيقة، صُنّف منها إلى حدّ الآن نحو 70% من الوثائق، أمّا نصيب المنطقة المغاربيّة (تونس والجزائر وطرابلس الغرب “ليبيا” والمغرب الأقصى وموريتانيا) فهو يعدّ بالآلاف بنسب متفاوتة بين هذه المناطق. فعدد الوثائق عن تونس في حدود 70 ألف وثيقة، وعدد الوثائق المتعلقة بالجزائر في حدود 150 ألف وثيقة، أما ما يتعلّق بليبيا فيتجاوز الــ200 ألف وثيقة. وهذه الكميات الضخمة من الوثائق تحتاج بلا شك إلى مؤرّخين متخّصصين في اللغتين التّركية والعثمانية، وتحتاج كذلك إلى إرادة من المؤسسات العلميّة والأكاديميّة المغاربية الرّسمية والخاصة للاستفادة منها الاستفادة المثلى.

 

أما المصدر الثّاني من هذه المصادر فيتمثل في المكتبات: وتركيا غنية جدا بالمكتبات المنتشرة في شرقها غربها، ومن أشهر هذه المكتبات: مكتبة بايزيد الغنية بالصحف والمجلات التي كانت تصدر في العهد العثماني، والمكتبة الشعبية (ملّت كتبخانه سي) التي تقع في منقطة الفاتح في اسطنبول، ومكتبة السليمانية التي تأسست في عهد السلطان سليمان القانوني، وميزة هذه المكتبة أنها تحتوي على آلاف المخطوطات العربيّة، ولم يُحقّق منها إلا القليل جدّا. ثم نجد كذلك مكتبة أتاتورك في منطقة تقسيم في مدينة اسطنبول، وميزة هذه المكتبة أن محتوياتها تم رفها على موقع الويب، ويمكن للباحث تنزيل موادّها والاستفادة منها، وكثير منها يتعلّق بالمنطقة المغاربية.

 

وبالنسبة إلى المصدر الثّالث فيتمثل في مراكز البحوث، وهنا يمكن الحديث بشكل خاصّ عن مركز البحوث الإسلامية İSAM باعتبار ما يحتوي عليه من معلومات تخص  البلدان المغاربيّة. وجدير بالذكر أن هذا المركز هو الذي أصدر “الموسوعة الإسلامية التركية”، وهي تضم 44 مجلّدا، كتب فيها كبار المفكرين والمؤرخين الأتراك. وهذه الموسوعة تزخر بالمعلومات المهمة جدا عن بلدان المغربي العربي، وتهم المؤرخ المغاربي بشكل مباشر.

 

أما المحور الثاني من المداخلة فهو يعرض لطبيعة العوائق التي تحُول بين المؤرخ المغاربي وبين الاستفادة من هذه المصادر. ويمكن إجمالها في ثلاثة عوائق رئيسة: الأول هو العائق التّاريخي، إذ أنّه على إثر انهيار الدولة العثمانية وقيام الجمهوريّة التركية الحديثة حدثت قطيعة بين العرب عمومًا وبين الأتراك، واُتّهم العرب بالخيانة وطعن العثمانيين من الخلف، بينما اتّهم العرب الأتراك بالظّلم وحملوهم وزر تخلّفهم وتمزّق بلادهم. وهذه مسألة ما تزال تثير لغطًا ونقاشات حتّى اليوم.

 

والعائق الثاني هو العائق السياسي والإيديولوجي، ذلك أنّ الأنظمة العربية التي قامت إبّان الاستقلال في البلاد العربية  والمغاربيّة كانت تعتريها حساسيّة من كلّ ما هو تركيّ، وأغلبها أنظمة ذات توجه قوميّ ، والأمر نفسه في تركيا فقد تنكّرت تركيا الحديثة في بداية نشأتها لماضيها الإسلامي وهويّتها وولّت وجهها شطر الغرب في مسعى لتقليده والسّير على خطاه. أما العائق الثالث والمهمّ فهو العائق اللّغوي، فالاهتمام بتعليم اللّغة التّركية في المؤسسات التعليمية المغاربيّة ضعيف جدّا، ومن هنا مازالت الجامعات المغاربية تفتقر إلى متّخصصين في هذه اللّغة وفي التّاريخ التّركي العثماني القادرين على التعامل مع المصادر التي ذكرت سابقًا وإعادة كتابة تاريخ هذه المنطقة من خلال الاعتماد على الكمّ الهائل من الوثائق والمخطوطات والمؤلفات التركية.

 

وفي ختام المداخلة حرصتُ على عرض بعض المقترحات من أجل سدّ هذا الخلل ورسم طريق يساعد الباحث والمؤرخ المغاربي على الاستفادة من هذه المصادر، وتقديم قراءة علميّة وموضوعية للأحداث في الماضي وكذلك قراءة الأحداث الجارية قراءة متخصّصة ما يساعد رجال السّياسة في هذه البلدان على رسم سياسات مبنيّة على معطيات علميّة ودقيقة، بعيدًا عن الانفعالات غير المدروسة.

 

ومن بين هذه المقترحات يُمكن ذكر النّقاط التالية:

  • يتعين تشجيع الطّلبة ودعمهم بمنح جامعية وحكومية للدّراسة في الجامعات التركية والتّخصص في الدّراسات العثمانية وإتقان اللغة التركية والعثمانية.
  • يتعين إدراج الدّراسات العثمانية والتّركيات ضمن المناهج الدّراسية في الجامعات العربيّة.
  • إقامة مراكز متخصّصة في الدّراسات العثمانيّة في البلاد العربية.
  • تبادل الخبرات في هذا المجال مع الجامعات ومراكز البحث التركيّة.
  • إقامة المؤتمرات والنّدوات والأيام الدّراسيّة المشتركة بين الباحثين العرب والأتراك.
  • التّحسيس بأهمية المصادر العثمانيّة والتركيّة في دراسة تاريخ العالم العربي والمغاربي.
  • عقد اتفاقيات تعاون بين الأرشيفات والمكتبات التّركية ومثيلاتها في الدّول العربية لتبادل الوثائق والمصادر والمخطوطات .
  • تكوين فرق من المتخصّصين لتعريب الوثائق والمخطوطات وكلّ ما يتعلق بالعالم العربي والمغاربي من مواد في المصادر التّركية المختلفة.
  • إعادة صياغة تاريخ العلاقات التّركية العربيّة والمغاربية من أجل تنقيته من النّزعات القوميّة والإيديولوجيّة.
  • بعض المراكز التّاريخية العربية يقوم بجهود لكنّها تبقى منقوصة.
  • بعض المراكز يقوم بتصوير وتجميع الوثائق دون أن يكون لديه متخصصون.
  • يتوجب ترتيب هذه الوثائق والمصادر وإتاحتها للباحثين إلكترونيًّا مع توفير خدمة التّرجمة.

 

وفي اعتقادي أن الاهتمام بهذا الجانب الثقافي والعلمي والأكاديمي مهم جدّا في الحديث عن أيّ شراكة استراتيجيّة مستقبلية بين تركيا والبلدان المغاربيّة. وما لم تنجح هذه الشراكة فإنّ أي حديث عن شراكات أخرى سياسية أو اقتصادية أو غيرها يبقى هشّا لا يقوى على مقاومة التّحديات وعاديات الزّمن.

 

ندوة العلاقات المغاربية – التّركية: نحو التمكين لشراكة استراتيجيّة

المركز الجزائري للدّراسات والتّنمية،  21ماي 2020م

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet