آخر التدوينات :

رغم الاحتلال، كيف منع التّونسيون زعيمًا صهيونيًّا من دُخول بلادهم

بقلم: د. مصطفى الستيتي

stitimustafaster@gmail.com

في ربيع عام 1932م أراد الدّاعية الصّهيوني الشّهير فلاديمير جابوتنسكي أن يزور تونس ويُلقي فيها خطاباتِه المعتادة عن الصّهيونية وواجب اليهود نَحوها، ولكنّ الصّحف العربيّة هناك لم تكد تشعُر بالأمر حتّى هبّت، بإيعاز من الشّيخ عبد العزيز الثّعالبي ومن جريدة “صوت التّونسي” تَصرخُ في وجه السّلطة الفرنسيّة تُنكر عليها قدوم ذلك المحرّض وتُنذرها نشوب قلاقل جدّية إذا هي حقّقت رغبة جابوتنسكي في الدّخول إلى تونس. فلم يَسع المقيم العام الفَرنسي إلاّ الإذعان أمام إصرار الشّعب التّونسي الثّائر.

 

ويُعتبر فلاديمير جابوتنسكي أحد أكبر رموز التّطرّف في تاريخ الحركة الصهيونيّة، كما أنّه يعدّ الأب الرّوحي لأخطر زُعماء كتلة اللّيكود في إسرائيل الآن، وفي مقدّمتهم بنيامين نتنياهو، ومن قبله أرئيل شارون وغيرهم. وقد ولد جَابوتنسكي عام 1880م بروسيا، ويُعدّ هذا اليهوديّ الرّوسي المؤسس وزعيم ما اِصطلح المؤرّخون على تسميته بـ”الحركة التّصحيحيّة الصّهيونية”.  ونادى برنامج هذه الحركة بإنشاء دولة صهيونيّة على ضفّتي نهر الأردن، ورفع القُيود عن الهجرة الصّهيونية إلى فلسطين، ومُصادرة جميع الأراضي المزروعة والعامّة في فلسطين، وسحق التمرّد العربيّ دون اللّجوء إلى بريطانيا، وإنشاء وحدات عسكريّة.

 

وقد نقلت جريدة “فلسطين” الصّادرة بالقدس بتاريخ 20 أبريل سنة 1932م عن جريدة “لسان الشّعب” التّونسيّة أنّ سبب الزّيارة التي كان جابوتنسكي يعتزم القِيام بها إلى تونس هو شعور الزّعماء الصّهاينة أنّه لابدّ لهم من التّحرك للتّرويج لدعوتهم في إقامة وطن قوميّ لهم في فلسطين على إثر المؤتمر الكبير الذي عقَده قادة وعلماء مُسلمون في القدس، ودعا إلى حماية القُدس والدّفاع عنها بكلّ غالٍ ونفيس، ولذلك “خَرج الدّعاة لِجَوْبِ أقطار الأرض والتّغرير باليهود على السّفر، فكان حظّ تُونس الإسلاميّة المُحافظة على دينها وقوميّتها إرسال المهيّج المدعو فلاديمير جابوتنسكي لكونه أحرز شهرةً عظيمةً في مقاومته للمسلمين، وله تاريخٌ حافلٌ بحوادث التّهييج وتشويش الأفكار وإيجاد العَداوة بين الأجناس”. بيد أنّ التّونسيين حسب ما تُضيف الصّحيفة لم يسكتُوا ولم يبقوا مكتوفي الأيدي بل “قَامت قيامة التّونسيّين ضدّ السّماح لهذا الرّجل بالدخُول لبلادنا الهادئة، فكان ما أرادوا، ووقع منع هذا المهيّج من الحُلول بأرضنا والحمد لله على ذلك”.

 

وقد نقلت صحيفة “الجَامعة العربية” الصّادرة بالقدس بتاريخ 13 أبريل سنة 1932م أخبارًا ضافيةً عن قصّة فشل هذه الزّيارة التي كان جابوتنسكي يعتزم تنفيذها، فإنّ “التّونسيّين  لم يَرضوا أن يدخُل هذا الدّاعية إلى بلادهم ويَحملَ، على مَسمع ومرأى منهم على الفلسطينيّين إخوانهم في الدّين والقوميّة واللّغة، وأن يدعُو في أرض إسلاميّة عربيّة إلى تأسيس دولة يهوديّة، لذلك قاموا بمظاهرة سلميّة كبرى يوم الخميس في 10 ذي القعدة، مُحتجّين على الحُكومة لسماحها لهذا الدّاعية الصّهيوني بدُخول تونس”.

 

كان من المنتظر أن تصل السّفينة التي تقلّ الدّاعية الصهيوني جابوتنسكي إلى تونس يوم الأحد 20 مارس، لذلك كانت كلّ جهود الشبيبة مجنّدة لمنع هذه الزّيارة، وكان اليوم نفسُه موعد المظاهرة السّلميّة التي قرّر الشّباب التّونسي القيام بها احتجاجًا على سماح الحُكومة بدخول جابوتنسكي. كان الجوّ محتقنًا أشدّ الاحتقان، ولم يُخفف من هذا التوتّر سوى البلاغ الذي أذاعته الصّحف التّونسية صباح ذلك اليوم و”القَاضي بأنّ ذلك الدّاعية اعترضته عقباتٌ فجائية فتأخّر سفره لتونس إلى أجلٍ غير مسمّى”.

 

وبالرغم من تلك الأخبار السّارة إلاّ أنّ الشّبان التّونسيّين لم يقتنعوا، وذهبوا إلى المرسى ينتظرون قُدوم الباخرة التي كان في عزم جابوتنسكي الوُصول عليها. وقد قامُوا بمظاهرة على الرّصيف، وركب جانبٌ من المتظاهرين باخرةً شراعيّة كُبرى حاولوا أن يَدخلوا بها عرض البحر ليبدأوا بمُقدّمات المظاهَرة بمُجرّد التقاء البَاخرتين.  ولم تكد تصلُ باخرة البريد إلى الرّصيف حتّى اعتلى هتاف الآلاف من المتظاهرين بالدّعاء إلى مُفتي فلسطين الحاج أمين الحُسيني بالنّجاح في القضيّة الوطنيّة الكبرى وإلى جريدة ” صَوت التّونسي” التي يرجع لها الفضل في منع هذا الزّائر الثّقيل من وضع ساقه على التّراب التّونسي.

 

وبعد مرور مدّة قليلة من منع جابوتنسكي من دخول البلاد سافر الصّهيوني الآخر “”هلفرين” من باريس إلى تونس، وما إن علم الوطنيون التونسيّون بقُدومه حتى نهضوا مرّة أخرى يُطالبون السّلطة بإسكاتِ ذلك المندوب، وفي هذه المرّة نجحُوا أيضًا، وحظر المقيم العام على ذلك المندوب إلقاء الخُطب وضيّق عليه السُّبل حتّى أُرغم على مغادرة تونس دون أن يتمكّن من القِيام بالمهمة التي حضر لأجلها.

 

وعلى إثر ما قام به التّونسيّون من تحرّكات نصرةً لفلسطين وأهلها أرسلت جمعيّة الشّبان الفلسطينيين في “يافا” إلى جريدة ” الصّدى التّونسي” في تونس كتابًا  تشكر فيه الجريدة على صُمودها وموقفها الحازم إزاء زيارة جابوتنسكي، وجَاء في الكتاب الذي نشرته صحيفة “فلسطين” بتاريخ 5 مايو 1932م: “إنّ في هذا الموقف الذي وقفته تُونس الشّهيدة من أجل فلسطين الشّهيدة لمظهرًا من أجلّ مَظاهر التّضامن العربيّ وأروعها. وإنّنا نرى من واجبِنا أن نُقدّم بواسِطتكم أجزل الشّكر إلى الشّعب التّونسي الشّقيق، وبوجه خاص إلى شخصكم الكَريم وجريدتكم الغرّاء التي تفضّلت وأخذت على عاتِقها الدّعوة إلى منع جابوتنسكي من دخول تُونس، راجين أن تتفضّلوا  بإذاعة شُكرنا على إخوانِنا التّونسيّين في جريدتكم الغرّاء، وتفضّلوا بقبول فائق احترامنا”.

 

 

 

1 فكرة عن “رغم الاحتلال، كيف منع التّونسيون زعيمًا صهيونيًّا من دُخول بلادهم”

  1. الامين الكحلاوي

    شكرا على هذه المعلومات موقف بطولي ووطني واسلامي وتضامني قل نظيره اليوم فأين نحن من هؤلاء أزاء قضايا الشعوب المظلومة وخاصة الشعب الفلسطيني الشقيق وكذلك الاقليات المسلمة في أنحاء المعمورة فشكرا للصحافة الحرة والوكنية وشكرا للشباب التونسي الرائد في مواقفه الايجابية تجاه وطنه وأمته ورجائي أن يسير شباب اليوم على خطى أسلافهم فيقفوا وقفة رجل واحد ضد كل أنواع الظلم والقهر والاذلال التي يعيشها كثير من شعوب العالم فينهضوا معا من خلال الكلمة الحرة والمواقف الرجولية .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet