آخر التدوينات :

منزلة الشابي في الأدبين الشرقي والغربي

المنجـي الشملــي

 

يطيبُ لي أن أشارك في هذا المهرجان تكريمًا للشّعر ولشاعر تونس الطائر الصّيت: أبي القاسم الشابي بمناسبة مرور 29 سنة على وفاته. وإنها لسُنّة طيبة هذه التي تسنّها دار الثّقافة بتونس. ولئن كنت مبتهجًا أن يرتفع صوتي في هذه الدّار للمشاركة في زيادة التّعريف بالشّابي فإنّي أرجو أن يتذكر التّونسيّون والمسؤولون على الثّقافة أن عليهم دينًا نحو أدباء تونسيّين مجهولين أو مغمورين أو مُهملين، يحسن أن تكرّم ذكراهم وأن يُعرّف بهم في مهرجانات وأسابيع ثقافيّة، وملتقياتٍ علميّة، فكم مرّ علينا من شهر ديسمبر بدون أن نسمع للطّاهر الحدّاد ذكرًا، وكم مر علينا شهر ماي بدون أن نعلم عن علي الدّوعاجي شيئًا، وغيرهم كثير … تحتفل بهم الأمم الأخرى العربية وغير العربية و تتزيّن بهم وتسلبهم تونسيّتهم عن قصدٍ وعن غير قصد، عن حسن النّية وعن سوء النّية أيضًا.

 

على كلّ، هو ذا الشابي يُكرَّم اليوم، ونعم ها التّكريم الفاتح لهذه السّنة الثّقافية، ولا أخال أحدًا ينكر سيرة أبي القاسم التي أضحت تشهد بفوز هذا الشّاعر وتشهد بأهمّية الرّسالة التي تضمّنها أدبه. فالحديث عن شاعر “إرادة الحياة” ظلّ زينة المحافل والنّوادي وبضاعةً نافقةً في الصحف والمجلات والإذاعات وموضوعًا ألهم الأدباء والمتأدّبين والشّعراء والنّاظمين والنّقاد والمنتقدين.

 

ضجيج متزايد متصاعدٌ حول الشّابي وشخصيّة الشّابي وشعر الشّابي

الصفحة حتّى فتن النّاس به ولا يزالون، بقصائده يتغنّون وإلى ديوانه يأنسون، ونعم الأنيس هو ونعم الجليس.

ورغمًا عن هذا الضّجيج المتصاعد فالنتائج الثابتة المنزّلة للشابي منزلته الحقّ في الأدب العالمي لا تزال ضعيفةً لا تقنع. فلئن أصبحنا نعلم بصورة مقنعةٍ تقريبًا أخبار أبي القاسم وترجمته، فما زلنا لا ندرى بالضّبط ظروف زواجه – هذا التحوّل الخطير في حياة كلّ حيّ – وما زلنا لا ندرى بالضّبط العلمي ظروف مرضه ونوعه: أهو مرض القلب أم مرض السلّ أم الاثنان معًا تواطآ على شبابه الغضّ فهلك في سن الخامسة والعشرين.

 

ونحن مازلنا لا نعلم بالضّبط فلسفة هذا الشّاعر – رغمًا عن تذوّقنا لشعره، أو قل لشدّة ما نجده من لذّة في تذوق شعره، – ولا أسس تفكيره ولا قيمة شاعريّته ومضمون وجدانيّته. وهذا العمل شاقّ ما في ذلك شك، كثير المزالق إذ هو يقضي بتتبع مراحل تكوين الشّابي الفكري وضبط كلّ ما كان يطالعه من الأدب العربي، وما عرف من الأدب الغربيّ مترجمًا إلى اللّسان العربي.

 

ولئن رغبنا في أن نشارك في توضيح شيءٍ من هذا الغرض بقدر ما تسمح به دقائق معدودات ضبطت ضبطًا فلنتساءل في بادئ الأمر عن المعطيات الأساسيّة في تكوين أبي القاسم.

ما أنا راغب في أن أفكّك الحديث موضحًا التّكوين التّقليدي الذي كان من نصيب الشّابي في الزّيتونة، إذ نعلم جميعًا أنّ والده – وقد تخرّج من الأزهر بالقاهرة بعد أن تخرج من الزّيتونة بتونس – رغب شديد الرّغبة في أن يقتفي ابنه أثره، فوجّهه إلى الجامع الأعظم سنة 1920م، وهناك أحرز الشّاب على شهادة التّطويع سنة 1928، يوم كانت البرامج في الزّيتونة تقليديةً عتيقةً قروسطيّةً.

 

تلقّى الشابي إذن – في أول أمره ثقافة عربية إسلامية تقليديّةً صرفة، وسوف لن يتخلّص منها تخلّصًا كاملاً مهما تطور شعره ومهما اتّسعت معارفه. ولكنّ الشاب الزيتوني لم يرتح إلى هذه الثّقافة وأحس في نفسه توقًا دفعه إلى تجاوز هذه المرحلة وأصبح عضوًا في مجلس إصلاح التّعليم بالزّيتونة يطالب بتعصير البرامج وتجديد المناهج.

 

ووجد الشّابي نافذةً منها يطلّ على الحياة، فقد تأسّس في تلك الظروف معهد له كبير الأهمّية وبعيد الأثر في تطوير الثّقافة التّونسية يومئذ وهو معهد الخلدونيّة، أنشأه الوطنيّون التّونسيّون القدامى لتمكين الزيتونيّين من توسيع آفاق معرفتهم، وبالتّالي تجديد تفكيرهم.

 

وكان هذا المعهد ملتقى للثّقافة العربية – التّقليدية منها والجديدة – والثّقافة الغربية المعربة اللّسان. تمكن الشابي من الاطلاع – بفضل مكتبة الخلدونيّة – على آثار أدباء المشرق العربي الحديثين وأدباء المهجر بالخصوص. فلقد التهم – شأنه في ذلك شان الكثيرين من أترابه – ما كان يُنشر في مجلة “المنار” المصريّة التي كان يصدرها الأستاذ الإمام محمد عبده وزميله رشيد رضا. وما هي إلاّ أن أولع بأدباء مجددين – متأثرين في تفاوت بالآداب الغربية كطه حسين (وقد أشتهر يومئذ بكتابه الذي فتح العُيون النائمة وهزّ العقول المسترخية والذى عنوانه: في الشّعر الجاهلي واستحال … “في الأدب الجاهلي”) وكعباس محمود العقاد (وقد اشتهر يومئذ بـ “بفضوله ومطالعاته في الكتب والحياة، وساعاته بين الكتب”) وكمحمد حسين هيكل (وقد اشتهر يومئذ بروايته القصصية “زينب”، وهي قصة تسجل مشاكل الحياة الرّيفية والأخلاق الرّيفية وتبدو فيها علامات التأثّر بكتاب أيلويز الجديدة لروسو واضحة).

 

ولعل من أهم ما طالعه الشّابي في مكتبة الخلدونيّة آثار أصحاب المدرسة السورية اللبنانية بأمريكا والشهيرة بمدرسة المهجر. ونعلم أن جبران (المتوفى سنة 1931) وهو أبرز عناصرها أنشأ جمعيّة كان لها بعيد الأثر وطيب الأثر في توجيه الشّعر العربي الحديث، بل قل في الأدب العربي الحديث بإطلاق وهي: الرابطة القلميّة (سنة 1920)، ولا نبالغ إن اعتبرنا هذه الرّابطة أوّل مدرسة رومنطيقية حقيقية عرفها الأدب العربي الحديث، وجبران هو الذي أوحى مبادئها وهو المتأثر بعيد الأثر بالأدبين الإنكليزي والفرنسي وبالحركة الرومنطيقيّة على الأخص، وهو المولع بنيتشه الألماني أيّما ولع حتى اتّخذ تأليفه أنجيلاً له. وشارك في هذه الرّابطة الكاتب الإنساني ميخائيل نعيمة ورشيد أيوب وندره حداد، ثم التحق بهم إيليا أبو ماضي.

 

وعلى سبيل الإشارة إلى “الميثاق الفلسفي” لهذه الرابطة نلمح في غير ما تحليل إلى أن جميع أعضائها يؤمنون بأن الإنسان يجب أن يسعى إلى إيجاد حالة فضلى في الحياة وأن يجتهد في تجاوز متناقضاتها الظاهرة كتناقض الخير والشر وتناقض الروح والجسد وتناقض القلب والحسّ، وتناقض المثال والواقع …

 

وسيبقى جبران خليل جبران المعلّم الكبير في نظر الشّابي وصاحب “الأجنحة المتكسرة” و”العواصف” … حتى أنّك واجد – بدون عناء – وجُوهَ شبهٍ عديدة، غريبة أحيانًا، بين فقرات من “العواصف” هذه القصيدة الشعرية ذات النثر المرصّع الخلاّب وقصائد من “أغاني الحياة” …

 

ولم يفت الشابي أن يبلغ إلى شيء من الأدب الغربي في هذه المرحلة من حياته بسوق العطّارين – أعني الخلدونيّة حيث طالع على الأقل كتاب “رفائيل” للكاتب الفرنسي لامارتين و”فرتر” للكاتب الألماني غوته في النص العربي …

 

وهكذا التقى الأدبان القديم والحديث، أو قل سعى الشابي إلى لقاء الأدبين، فزاد تعطّشه إلى إدراك أصيل الأدب، وأصبح دأبه؛ على قرب عهد بثقافة جامدة، وإن كانت موسوعيّة شعارها الإيمان بمبدأ الإمامة في المذاهب، وإكبار السلف – وإن كانوا شرّ سلف – وسرعة التأويل وقلة الاستنتاج.

 

إن الشابي سيلتقي بالأدب الحديث في محفل آخر: وهو النادي الأدبي الذي أصبحت ترعاه جمعيّة قدماء الصّادقية (خصوصا ابتداء من سنة 1927 حسب ما أفادني به السّيد الهادي العبيدي مشكورًا). وكانت مكتبة هذا النّادي أغنى من مكتبة الخلدونيّة بالمترجمات عن الآداب الغربيّة عمومًا والأدب الفرنسي خصوصًا … وتسنى لأبي القاسم – على أغلب الظنّ – الاطلاع على جانب وافر منها إن نحن اعتمدنا ما جاء ملوّحًا إليها في نثره،

 

يمكن الجزم إذن أنه اطّلع – بفضل هذه المكتبة – على المؤلفات التي تعتبر الآثار الأساسيّة التي خلقتها الحركة الرومنطيقية الأوروبية. والغالب على الظنّ أنّه التهم أثرا كان له بعيد الصدى في الأدب المصري، بل في المجتمع المصري وهو “سرّ تقدم الانكليز السّكسونيّين” ألّفه أدمون ديمولان (E.des Moulins)، وترجمه فتحي زغلول، وليس هنا مجال لذكر الضّجة التي أحدثها والرّدود التي أثارها …

 

ولا شك أنه اطّلع على النّص المعرب لكتاب برناردين دي سان بيار B de St Pierre والموسوم بـ”بول وفرجيني” أو الفضيلة، وكتاب “الشهداء؟” لشاتويريان (أنظر العبرات) وكتاب “في سبيل التاج” لكوبي Coppée وتحت ظلال الزّيزفون ” لا لفونس كار” (A. Karr) ومترجمات عن لامارتين وهيجو وفيني وموسى وأوسيان …

 

ما من شك أن هذه المطالعات زكّت ثقافة الشابي وهزّته هزّا قد يكون عنيفًا، ولكن مهما تكن المطالعات واسعة متنوعة فإن لقاحها للفكر لا يبلغ خصوبة لقاح الاتّصال المباشر بالنّاس والنّقاش والجدال – وقد كان النّادي الأدبي ( تولى الله بحفظه من صمتوا عن التّعريف به وبملفاته … من الذين مازالوا على قيد الحياة يرزقون …) ملتقى للمدرسين الذين أسعفتهم الصّدفة على التّعلم بالصادقية والزيتونيّين المؤمنين بضرورة التّطور الفكري والتّجديد الثقافي. وكان الصّادقيون – بحكم تكوينهم الفكري، متحرّرين، مندفعين إلى التطور وكانوا كثيرًا ما يبهرون إخوانهم الزيتونيّين … وانتبه الشابي وكان اليوم الموعود يوم أعلن أبو القاسم أنه قد انحلت عنه رابطة التّقليد وانكسرت عليه العقائد الموروثة يوم المحاضرة عن “الخيال الشّعري عند العرب”.

 

كان ذلك في العشرين من شعبان 1348 (الموافق لغرة فيفري 1929)، مسامرة ألقاها أبو القاسم بقاعة الخلدونيّة تحت إشراف النّادي الأدبي لجمعية قدماء الصّادقية. حاضر أبو القاسم في ذلك اليوم – أو سامر في تلك الليلة – ولم تكن تلك المحاضرة في نظرنا محاضرة أدبيّة رغما عن موضوعها الأدبي البحت ولكنّها محاضرة اجتماعية سياسيّة وإن لم يسلك الخطيب فيها مسلكًا سياسيّا وإنّما هي التّعبير عن موقف رجل سئم الجمود وسئم الضّعف لأمّته، وسئم الظّلام لشعبه، وسئم العقم في أدب شعبه فصاح صيحةً أفزعت النّيام وأفقدتهم توازنهم فقلقوا … وبعثت المخلصين لأمتهم على التّفكير ومحاسبة النّفس. وحسبك دليلاً ما يقوله أحد روّاد العمل الثّقافي في تونس عنيت السّيد زين العابدين السّنوسي في المقدمة التي كتبها للطّبعة الثانية من هذه المحاضرة يقول: “لما سمعت هذه المسامرة لأوّل مرّة خرجت من قاعة الاجتماع مهتمّ العقل أكثر ممّا كنت منبسط النّفس، بل يمكنني أن أقول أنّي خرجت من تلك الجلسة منكمش النّفس واجفها مع أني كنت ممن صفّقوا لأكثر مقدّماتها والمعجبين بدعاماتها … بل كنت أنا نفسي الذي قدّم حضرة المسامر إلى مئات المستمعين منّوها بنبوغه الباكر ووجهته في التّجديد الأدبي”.

 

وليس المجال متسعًا هنا لتحليل هذه المحاضرة ونقدها، وحسبنا اعتبارها مرحلةً هامّة في تحرير الفكر وتجديد الأدب في تونس، لا لما تضمنته من الاستنتاجات الأدبية، ولكن لشجاعة صاحبها العجيبة وثورته المدوية حقّا على قوى الجمود في عصر كان فيه الفكر الحرّ يضطهد اضطهادًا ويُهان فيه “الأحياء” في عصر كان فيه الطّاهر الحداد – رائد التّقدم الاجتماعي – يُرمى بالزّندقة والمروق عن الدّين ويعذب ويُطارد …

 

هذه المحاضرة الخطيرة نتيجة اختمار آراء جديدة واحتكاك بأدب جديد، وليست قيمتها – على أغلب الظن – في مضمونها الأدبي لأنّ الشّابي لم يكتمل نضجه الثقافي آنئذ – فهو لم يتجاوز العشرين – فجاءت استنتاجاته مغلوطة في غالب الأحيان وأحكامه سريعةً لا تقنع فتدلّ على أنه لم يثبت قدمه في النّقد، ولم يصهر بعد عناصر ثقافته ولا صفاها. وهي على كلّ وثيقة تعرّفنا مدى ثقافة أبي القاسم واتجاهاته الأدبية.

 

ولكن الأمر الأبلغ قيمةً هو أن هذه المحاضرة وثيقة اجتماعية تبلور موقفًا اجتماعيًّا خطيرًا في فترة حالكة من تاريخ تونس يقول فيما يقول:

“يجب علينا أن لا ننظر إلى الأدب العربي إلا تلك النظرة المعجبة لا غير حتّى يمكننا أن نتّخذ لنا أدبًا قويمًا فيه ما في الحياة الحاضرة من عمق في الفكر، وسعة في الخيال، ودقة في الشّعور، أما أن نتخذ الأدب العربي الذي عرفنا خلوه من هذه الأمور مثلنا الأعلى الذي ننسج على منواله فذلك هو الخمول وذلك هو الموت الزؤام. لقد أصبحنا نتطلب حياة قوية ملؤها العزم والشّباب، ومن يتطلب الحياة فليعبد غده الذي في قلب الحياة، أمّا من يعبد أمسه فهو من أبناء الموت وأنضاء القبور الساخرة … فلا خير في أمة عارية تكتم فقرها ولا خير في شعب جائع يظهر الشّبع … ذلك رأيي أقوله لأنه الحقّ، وإن كنت أعلم أنه سيغضب طائفة كبيرة ممن يؤثرون الحياة في أكناف الدّهور الغابرة …”

 

وإنك لواجد في هذه المحاضرة ما يعينك على تحديد مفهوم الأدب الذي ينشده الشابي، بل على ضبط مفهوم الأدب عند الشابي. فالأدب عنده “حياة ودقة شعور وقوة تصور وأودية الفكر وشعاب الخيال والعواطف العنيفة والحبّ العميق العريق والأمل والإنسانية ورشفات المسرة وسلسبيل الوجود” …

 

إنك واجد هذه المعاني وهذه المبادئ عند الرّومنطقيّين في المشرق العربي وبلاد الغرب، ولكنك تجدها مزورة بينهم لا يجمع – أو يكاد لا يجمع – واحد منهم بينها.

 

الشابي رومنطيقي إن شئت ولكنّه ليس رومنطقيًّا منكرا لوطنه كبايرون الإنكليزي، وليس رومنطقيّا ضعيف الإيمان بالمستقبل، مقلعا عن الكفاح ككيتس (Keats) ولا مائعا بكاء كــ”لامرتين”، ولا قال، عند ما أهانته بلاده ما قال ابن زيدون قديمُا: “وإن بلادًا هنت فيها لأهون”. وإنما دعا الشابي إلى الكفاح وإلى الثّورة والتجديد، وإلى أن يغير القوم ما بأنفسهم…

 

إن رومنطيقية الشابي لا تفهم حق فهمها إلا بالرجوع إلى الظروف التّاريخية التي نشأت فيها وإلى الظروف المعلومة التي عاشتها تونس فيما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية … وخصوصا فيما بين سنة 1920 وسنة 1934. إنها رومنطيقية ناشئة عن نفس واعية متفائلة رغمًا عن تشاؤمها البادي وقلب مفتوح للخير والجمال والحياة … إنها رومنطقيّة المتألّم من حاضر مؤلم مظلم خيّم على الفكر والشّعور والشّعب، فأمات الفكر وأمات الشّعور وأمات الشّعب أو كاد لأنه أمات الإرادة، إنها رومنطيقية الحساس الرقيق النفس الشّاعر بالغربة في لوعة وتحرّق غير مرتاح إليها ولا مثمول بها فيقول:

يا صميم الحياة إنّي وحيد       مدلج تائه فأين شروقك

يا صميم الحياة إنّي فؤاد         ضائع ظامئ فأين رحيقك

 

إنّها الرومنطيقية الهدّامة للهياكل الهرمة الدّاعية إلى بناء صروح يدخلها نقيّ الهواء وساطع النور، إنها رومنطيقية لهيب الشّباب المتّقد لا الشباب الشّاحب الذليل.

ليس الشابي – في رأينا – رومنطيقيّا بالمعنى الجبراني تمامًا، ولا بالمعنى الأوروبي تمامًا. إنّما ترى فيه رومنطيقيّا تونسيّا قوام رومنطيقيّته وطنيّة الذي يأبى الضيم، وكفاح الذي يؤمن بكرامة الإنسان وحبّ الذي شرح قلبه للحياة بما فيها من جمال وخير، وأمل الذي لا يفقد الأمل وإن غضب وضجر … عسير علينا أن نرى في الشّابي شاعر التشاؤم وإن كره الدّكتور عمر فروخ ومن كانوا على شاكلته … إنما هو شاعر الثورة والأمل وكفاك دليلاً قوله:

ضيّع الدهر شعبي ولكن          سترد الحياة يومًا وشاحه

إنّ ذا عصر ظلمة غير أنّي       من وراء الظّلام شمت صباحه

إنها الرؤيا الصّادقة.

 

فلئن غذّى الشابي نسغ الأدب المشرقي ووراه رحيق الأدب الغربي فقد كان ذلك سلامًا على شخصيته التّونسية وسلامة لفكره اليقظ بما له من مواهب حظ العبقرية فيها غير قليل.

وبعد فكن تونسيّا فإنّك إلى شعر الشابي مستأنس، وكن من شئت، وانتسب إلى ما شئت من الجنسيات فأنت واجد في الشابي قصّتك، ظافر في الشّابي بذاتك فهو كيفما قلبته صورة منك، وحيثما نظرت إليه أنت، أليس هذا من أصيل الأدب ؟…

 

([1] ) محاضرة ألقيت بدار الثقافة بتونس، في نطاق “مهرجانات الشعر في ذكرى الشابي” الذي أقيم بتونس من 25 أكتوبر 1963 إلى 29 منه.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet