معــركة الجلاء عن بنــزرت

بقلم: أ. ليلى ذياب

 

دخلت تونس بعد الاستقلال مرحلة بناء الدّولة، فكانت أولى الخطوات تونسة الإدارة وجهاز الأمن و بعث النّواة الأولى للجيش التّونسي لدعم السّيادة الوطنيّة. لكن رغم ذلك ظلت السيادة منقوصة بسبب سيطرة القوى الاستعمارية على مراكز هامة من المجال التّرابي للبلاد، ونعني بذلك الصحراء ومدينة بنزرت. و كان بعض الحكام العرب كجمال عبد الناصر بمصر وأحمد بن بلة بالجزائر يتهمون بورقيبة بالعمالة للغرب، وأمام الاتهامات الدّاخلية والخارجيّة سعى بورقيبة لبسط نفوذه و تأكيد أحقيّته بلقب الزّعيم.

 

اتّبع بورقيبة سياسة التّفاوض مع فرنسا في البداية، لكنّها لم تجدي نفعًا. وأمام تزايد الخطر على الملك أعلن الحرب على فرنسا التي أصرّت على البقاء لحماية مصالحها. و يعود هذا الإصرار إلى الموقع المهم الذي تحتله بنزرت في المنطقة ولوجود القاعدة العسكرية هناك، كما أنّ الأوضاع في الجزائر تستوجب البقاء في ذلك الوقت.

 

و أمام سياسة المماطلة التي انتهجتها فرنسا في التفاوض مع تونس بخصوص الجلاء أصرّ بورقيبة على استرجاع كلّ الأراضي التّونسية وتطبيق اتّفاقية الاستقلال كي تكتمل السيادة الوطنية. و ازداد تمسكًا بهذا القرار بعد لقائه بشارل ديغول في رامبويي، و لا أدّل على ذلك ما ذكره الطاهر بلخوجة في كتابه “الحبيب بورقيبة: سيرة زعيم” إذ يقول: “و ذكر بورقيبة من جهته، وفي خطاب ألقاه أمام مجلس الأمة بتاريخ 17جويلية1961 أي قبيل اندلاع معركة بنزرت: لقد وصل رئيس الدّولة الفرنسية في رامبويي إلى اعتبار الاستعمار بليّة (…) فطالبته بتطبيق هذا المبدأ على بنزرت و بدا لي مترددًا(…)، ولكن فرنسا عمدت في بلد آخر [المملكة المغربية] إلى وضع حدّ لاحتلالها. وبادرت بالانسحاب قبل الموعد المقرّر بثلاثة أعوام من أجل صيانة النّظام ودعمه(…)، ومن جهتنا فقد طالبنا فقط بمبدأ الجلاء و إن كلفنا ذلك تأجيل طرق تطبيقه. و كان الرّد أنّ الظّروف الراهنة غير مواتية لذلك”.

 

وما زاد الأمر توترًا ما قامت به القيادة البحريّة الفرنسيّة من أشغال لتوسيع مهبط الطائرات بقاعدة سيدي أحمد، فأيقن بورقيبة والحكومة التّونسية أن لا لنية لفرنسا في تسوية الخلاف وتحقيق الجلاء، فما كان من بورقيبة إلاّ تعبئة القوى الحامية و الجماهير الشّعبية لمواجهة فرنسا وخوض معركة تحرير التّراب التّونسي. فلبت الجماهير النداء وخرجت تطالب بالجلاء، و دعت إلى استعمال السلاح لتحقيق النجاح.

 

اعتبرت فرنسا ذلك تطاولا فدعمت وجودها العسكري بالمنطقة بجيش قادم من الجزائر إذ ما تزال تحت الهيمنة، واستعملت أسلحة متطورة و طائرات حربيةً في مواجهة جيش لا يزال في طور التّشكل ومواطنين تاقوا للحرية، فتكبدت بذلك تونس خسائر بشرية ومادية جسيمة. ودامت المعركة أربعة أيام ولم تتوقف إلا بصدور قرار من مجلس الأمن، وحل الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولدف في 24جويلية 1961لمعاينة الأوضاع.

 

هذا ما يراه أنصار بورقيبة في حين يرى خصومه خلاف ذلك، فبورقيبة دفع بالجيش الفتي والشّعب إلى محرقة بنزرت ليمتحن زعامته ويرسّخها أكثر. فبعد نعته بالعميل من قبل بعض القادة العرب والتململ في صفوف المقاومين ورفضهم لسياسته المتبعة، فالعلاقة المتوترة مع صالح بن يوسف دفعت بالرئيس إلى إعلان الحرب ليحقق بذلك عدة غايات ويدعم حكمه الفردي و يقضي على الخلافات داخل المجتمع ويروض المعارضة السّياسية، فكانت معركة بنزرت الحجر الذي رمى به أكثر من عصفور.

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *