بـشـيــرة بـن مـراد: رئيسة الاتّحاد النّسائي الإسلامي في تونس

بقلم  الباحثة : سناء إلاهي 

 

ولـدت بشيـرة بن مــراد في 11 أوت 1913م فـي تونـس العاصمـة زمن حكم الباي حنفي المذهب محمّـد النّاصـر بـاي، فـي وسـط علمـي دينـي حنفي حظي منذ فتح العثمانيّين للبـلاد سنة 1574م برعاية مختلف السّلـط السّياسية التي حـكمت البـلاد قبل الإطاحـة بالملكيّة في 1957م ذلك أنّ جـدّ هذه العـائلة، على ما كتب أحد الباحثين التّونسيّين « قـد يكـون صاحب جيـش سنـان باشا (1)  عندمـا حلّ بتونس، ولكنّه عـاد  إلى تركيا. وقـد يكـون حفـيده الحـاج علـي خوجـة الحنفـي هـو الـذي عـاد إلى تونـس نهايـة حكـم العائلة المراديّـة (القـرن السّابع عشر) ليستقـرّ فيها نهائـيّا. لقـد كـان هـذا الجدّ يشغـل ضمـن الفـيلق العسكري وظيفة مرشد مكلّف بتعليم العسـاكر واجباتـهم الدّينيّـة. وقـد توفـي في السّنوات الأولى من حكـم حسيـن  بن علـي (1705 -1735) مؤسّـس العائلـة الحسينيّة. أمّـا سـلالته فـقد تفرّعت فرعيـن حمـلا لقبين عائليّين مختلفين هما لقب بلخوجة ولقب بن مراد » (2).

 

ما أوردنـاه للبـاحث محمّـد العزيز بن عاشـور لا يـختلف فـي شـيء عمّا جـاء في كتاب أرنـولد هنري قرين بعنوان “العلماء التّونسيّـون” الذي يضيف ملاحظة هامّة هـي أنّ عائلـة بن مراد تمثـل «الفـرع الأصغـر مـن أسـرة ابن الخوجة »(1). ومـا يهمّـنا في هذا البـحث هو أنّـنا بـإزاء عائلـة كولوغليّـة (2) امتهـن  أشهر مـن عرف فيهـا مهـنة ثقافيّـة تقليديّة تتمثـّل في التّعليـم الدّيني والدّفاع عنه محـافظة منـها على أسـس المجتمـع التّقليـدي ما قـبل الرّأسمـالي، ولذلك فليـس من الغريب في شيء أن يضطلـع محمّد الصّالح بن مـراد (3)، وكـذلك ابنته بشيـرة بن مراد بـداية من ثلاثينـات القـرن العـشرين بـدور مهم في محـاربة ممثلي التّيّارين التّاريخـي العقـلاني والتّاريخـي المـادّي لأنّ هذيـن التّيّارين على اختلاف نظرتهما إلى الأشيـاء هـما تيّـاران حديثان غير تقليديّين يعاديان النّظرة “الأصولية” أو “السّلفيّة” أو “اللاّزمنيّـة” إلى الأشيـاء، أي يقـودان من يأخـذ بواحـد منهـما إلى العمل على نسـف أسس المجتمع التّقليـدي. ومن أهـمّ أسس المجتمـع التّقليـدي على المستـوى الاجتماعي المرأة وعلى المستوى الثقافي التّعليم، وهـذان المستـويان هما الميـدانان اللـّذان يمكن حـصر نشـاط بشيـرة بن مراد فيهما، هذا النّشـاط الذي نـعدّه نحـن نشاطا مكمّلا لنشاط أبيها الذي ينـدرج بدوره ضـمن نشـاط الفئة التّونسيّة الحضريّة المثقّفــة المحافظـة.

 

إنّ محمّـد الصالح بن مراد لم يثر انتباه الباحثين الفكريّين السّياسيّين بـوصفه أحد شيوخ جامعـة الزّيتونـة الدّينيّـة ولكـن بوصفه أشـهر من تصـدّوا سنة 1931 للشّاب الآفاقي(4). الطّـاهر الحـدّاد (1899-1935) صــاحب كتـاب “امـرأتنا فـي الشّريعة والمجتمع”  الذي كان يمكن لصاحبه، لولا الخشية من ردود الفعل المحافظة أن يطلق عليـه عنـوان “امرأتنا في المجتمــع والشّريعـة”، أي أن يطـرح السّؤال التالي: هـل يمـكن للمجتمـع التّقليـدي أن يحـافظ على المـقوّمات التـي قـام عليها ومنها وضـع الـمرأة من دون تبـديل أو تغـيير في عصر تناقض روحه العامّـــة روح العصـور القديمة ؟ أي بتعبير الحـدّاد السّؤال التّـالي :« لمـاذا نبقـى نحـن مبهوتيـن ذاهليـن ممتعضين في هـذا التّـيار الجارف حتّى يذهـب بنا إلى مـصبّه ؟» (1).

 

ومثـل هـذا السّـؤال يحـمل بعدا ناسـفا للمجتمـع التّقليـدي إذ هـو يـدعو ضـمنيّا إلى قيـاس وضـع التّونسيّـين فـي ثلاثيــنات القـرن العشـرين لا إلى المـجتمع العربي المسـلم في القـرن السّـابع الميـلادي، قـرن ظهور الإسلام  و انتـشاره، ولكـن إلى المجتمـع المعـاصر ممثلا في المجتمع الأوروبـي القـدوة. وليـس في إمـكان محمّد الصّالـح بن مـراد ومن يأخـذ بنظـرته السّلفـيّة أن لا يردّ على تحـدّ مثل هـذا التّحـدّي.فالخصومة الشّهيـرة في تونس والجزائر أيضا بين التّيارين السّـلفي ممثّلا في محمّـد الصّالح بن مراد والتّاريخـي العقـلاني ممثلا في الحـدّاد، إنّما هي في نظـرنا، الشّرارة القادحـة التي أشعلت حربا ضـروسا بين تـيّارين لن يخمـد الصّراع بينهمـا إلى اليـوم.

           

محمّـد الصّـالح بـن مـراد (1880-1979)

هـذه الخصومـة سـوف تنظر إليهـا التّيّارات السّلفيّـة والتّاريخيّة العقلانيّة والتّاريخيّـة الماديّـة من زوايـا مختلفة وستجتهد في البحث عن قرائن فـي كتـاب  “الحـداد على امرأة الحدّاد” عمّا يدعم وجهة نظرها. وهـاك أمثلة ثلاثة على ما ذكرنا:

فالقــراءة السّلفيّـة سوف تزكّي كلّ ما جاء في كـتاب الشّيخ الزّيتونـي الذي يمكن تلخيصه في التّهمة التالية:

« تذكر البنت المسلمة وتسـتقبح تربيـتنا لـــها بصـفة الحيـاء الذي هو شعبة من شعـب الإيـمان وتدّعـي أنّ ذلك ممّا يميت العاطـفة. فلتمـت تلـك العاطـفة التي تعنيـها وتريـد إذكاءها لتلوّث بهـا أعراض الفتيات المخدّرات (1) عـلى لسـانك. لتقبـر تـلك العاطفـة ولا نربّـي بناتـنـا على التّبـرّج ولا نرضـى أن تلتهـمهنّ أعين الفـجرة و الفسّـاق (…) ألا فاعلـم أيّها المسكيـن أنّ عاطـفة المـرأة المسلمـة أسمـى العواطف و أزكـاها(…) تعيش على الحياء و تمـوت على الحيـاء. إنّ امـرأتنا و الحـمد لله مازال الدّيـن قائدها والعفّـة رائدها رغم أنف الفجـّار و لعنـة الله علـى الفاسقين» (2).

 

هـذه القـراءة السلّفيّة هي التـي كانـت سائدة في المـجتمع التّونسي قبـل اسـتلام بورقيبـة السّلطة في منتـصف القرن العشـرين، ولم يبـالغ الشّـيخ الزّيتوني عندمـا اعتـبر نفسـه واعتبر الفئـة الاجتماعيّـة التي ينتـمي إليـها معّبـرين  عن الشّـعور التّونسي العـام:

 

«لمّا ظهـر تأليف الحـدّاد في عـالم الوجود تعجّب كـثير من الأفاضل المفكّرين في صـدوره من رجـل تربّـى تربيـة دينيّة بمـعهد مشـهور في العالم الإسلامي(…) أجـل إنّ الإنـسان يـعجب كثيـرا عـندما يشاهد الحدّاد أحد تلامـذة الجـامع الأعظم يقوم بمثل هذا العمـل المشـين»(3).

 

لقـد بالـغ الباحثـون الشّباب المحكومـون بنظرة إيديولوجيّـة بورقيبيّة فرضت على الـبلاد فرضـا بعـد الاستقلال في تسـويد صـورة الشّـيخ الزّيتونـي، بل نسبوا إليه أقـوالا افتعلـوها في حيـن أنّ الشّيخ، تماما مثل ابنتـه بشيـرة بن مـراد، لم يكن يـعبّر عن مـوقف منـفرد شـاذ، فهذا بورقيبة نفسه يصـرّح أنّ موقفـه من قضيّة المرأة والحجاب في الثلاثينات كان موقفا متحفّظا على الأقل :

 

« كنـّا نخشـى أن يكـون تطوّر المرأة التّونسيّة قبل الاستقلال في نطـاق الخطّة الاسـتعـمـاريّة، وهـذا ما جعـلني في وقـت من الأوقات من المـدافعـين عن الحـجاب ومن المنــاهضين لدعاة التّسـرّع في خـروج المـرأة والسّفـور لأنّ الاستعمـار عـندمـا كـان يحكـم الـبلاد كان يعـمـل على الاستيلاء على دماغ المرأة التّونسيـّة مـثلما يفعـل مع الشّبّـان التّونسيّيـن لإخـراجهم عن التّقاليـد والعـادات وجميع ممّيـزات الشّـعب التّونسـي»(1) فعمّن يتحدّث بورقيبة هنا ؟ ومن هـم الـذين قصدهم بالعـبارة “دعـاة التـّسـرّع في خــروج الـمرأة والسّـفور” ؟ أليسوا هم الطّاهر الحدّاد والعمّـاليّون والممثلـون للتّيّار المادّي التّاريخي من الشّيوعيّين الذيـن يصل  بهم الأمـر إلى حـدّ اعتبـار أن العامـل الحــاسـم في تحديـد هـويّة المـرأة هو “الشـغل” ؟ فليكـفّ الباحثـون، إذن، عن قـراءة التّاريخ التّونـسي الحديث والمعاصر قراءة إيديولوجيّة تقسـّم الدّعاة الفكريّيـن السّياسييّن قسمين متنافرين تنافرا تامّا، قسم لا  يقتصدون في تمجيـده و قسم لا يقتصدون في ” تشطـينه ” حتى يصـل الأمر بهم،  أخذا بالنّظرة التّاريخيّـة العقلانيّة إلى الأشيـاء، إلى اعتبار “المدرسيّين -متنوّرين” و”الزّيتونيّين ظلاميّين” ذلك أنّ جامعة الزّيتونة، شأنها في ذلك شأن كلّ الجامعات ليست إلاّ مجتمعا صغيرا ضمن مجتمع أكبر يتعرّض لضغوط لا يحصرها عدّ.

 

فإذا كان جامـع الزّيتونـة قد خـرّج الآفاقي الطاهر الـحدّاد الذي يقوم تفكيره على نظـرة تاريخيّة عقلانيّــــــــة تدعو، وإن تخـفّت وراء الدّين، إلى تعويض مفهوم الاجتهــــــــاد الذي تقول به المدرســـــة السّلفيّـة التـي ينـتـمي إليها الشـيخ ابـن مـــــــــــراد و ابنتــــــــــه بشيـــــــرة بمفهـوم التّغيير النّاسف لمواقع رجال الدّين بل لأسس المجتمع التّقليدي فلقد سبق لهذه الجامعـة أن خرّجت الآفاقي علي جراد (المطوية 1911 تونس 1976)الذي نفر  من النّظريّتين سالفتي الذكر وفضّل عليهما النّظرة التّاريخيّة الماديّة.

 

أمّا المثـال الثاني: الـذي يوضّح طريقة دعاة التّيّـار التّاريخـي العقلاني في استغلال كتاب “الحـداد على امـرأة الحـدّاد” فهو يستـند إلى قـرائن مبـثوثة هنا وهنـاك في هذا الكتاب مفـادها أنّ الإسـلام ديـن حـقّ، ولكـنّه قابـل لقـراءات فيـها أقــدار متفاوتـة من الاجتهـاد. والشّيـخ مـحمّد الصّالح بـن مراد اخـتار قراءة خـفّ فيـها وزن الاجتهاد وثقـل فيـها وزن النّصـيّة، ولـذلك هـم يلومون الشّيـخ على استسهـاله تكفـير رجـل مـسلم مثله وهو الحـدّاد.

 

المثال الثالث والأخير يحيل على المدرسة التّاريخيّة الماديّـة وهو يتضمّن مجموعـة القرائن التـي تشي بالأساس الطّبقـي الـذي يقوم عليـه تفكيـر محمد الصـالح بن مـراد في خصـومته مع الحدّاد، إذ يصـرّ التّيّار التّاريخي المـادّي على إظهـار المـجال الزّيتونـي مـيدانا تتجلّى فيه تناقضـات المجتمع التّونسي الطّبقـيّة ممثـّلة في هؤلاء الشّيوخ الذين يعبّرون طبقيّا عن فئة علماء العاصمة و تجّارها و فلاّحيها الكبار  وعـدد لا يستـهان به من طلبة المناطق الدّاخـليّة من ذوي الأصول المتواضعة مثل الطّاهر الحدّاد ممّا يدفـع بممثّلي هذا التّيّـار إلى تجميـع عبـارات عـديدة للشّيـخ البالغ من العمر خمسين سنة يردّ فيها في لهجــة” طبقيّة” على شـاب آفاقي لم يتـجاوز الثلاثين سنة إلاّ بقلـيل بعبارات مثل:

«وبعـد فقد كـان ظهر كتاب في عالم المـطبوعات منسوب للمسمّـى الـطّاهر الحــدّاد»(1).

ومثـل :

« ألّف الحدّاد كتابه وأظهر فيه أنّه ناقم على المجتمع التّونسي الذي لم يراع حقّ المرأة… » (2).

 

ومثل هذه العبارات التي تعبّر عن استماتة العائلات المخزنيّة والدّينيّة  والتّجاريّة في العاصمة في الحفاظ على” صفائها الوراثي” خشية من “الغـزاة الجنسيّين ” أشباه الطّاهر الحـدّاد: «إنّـي لا أدري من أيـن لك هذا الحكم (على المـرأة) الـذي هـو نــتيجة دراسة حقيقيّة مع كونك أعزب منقطعا عن أهلك و نساؤنا مخدّرات لا تنالهنّ عين أمثالك»(1).

 

المدرسة التّـاريخيّة المـاديّة لا تشكّ، إذن، فـي أنّ الشيخ محمد الصّالح بن مـراد إنّمـا يصـدر في ردّه على الحـدّاد عن إحـساس صـادق إلاّ أنـّها تـرى أنّ هـذا الإحسـاس إنّما هو إحسـاس فئة اجتماعيّة معيّنة من فئـات المجتـمع التّونسي الـذي كان يعدّ أكثـر من مليونـي نسمة، ولا تمثـّل قـضيّة المـرأة والزّواج من الأجـنبيّات زمن الأزمـة الماليّـة العالميّـة بـداية من 1929 قـضيّة مركزيّـة بالنّسبة إليهـم، ولـذلك فهـي لـن تـرى في بشيـرة بن مـراد التي بـدأت الكتابـة في بـدايات العقـد الرّابـع من القـرن العـشرين وهي في سنّ الرّابعة والعشرين غير امتداد باهـت لظـلّ أبيها تعـادي من يعـادي من التّاريخيّـين العقلانيّيـن والتّاريخيّين المـادّيين، وتناصـر من يناصر من السّلفيّين وأنصار هذه المدرسة يستشهدون على ضعـف تكوينهـا في هـذه الفتــرة بمـا حـاولت أن تـنشـر عبـثا، نهـاية 1937م، فـي مجـلّة “الجامعة” ممّا لا يمكن أن يعبّر إلاّ عن شعور فتاة مراهقة و”مخدّرة” رغم أنّها بلغت الرّابعة والعشـرين من العـمر، أي بعد تأسـيس الاتّحـاد  النّـسائي الإسـلامي (1936م) وهذا نصّ ما حاولت أن تنشـر بخطّ يــدها:

 

هـذا النـّص الأدبي السّياسي كثير الأخطـاء يتضّمن فكرا أساسـيّة ثـلاثا هي الفكر التـي سـيتمحور حـولها تفكـير بشيرة بن مراد و نشاطها السّـياسي حـتّى نهـايتــه في13 أوت 1955م، تاريخ إصدار الحبيب بورقيبة، رئيس الحكومة التونسيّة مجـلـّة الأحــوال الشخـصيّة. هذه الفكــر الثــلاث هـــي:

أوّلا : المــرأة و طبـيـعــتـها

ثانيــا: ضــرورة تعلــيــمها

ثالــثا : مضــمون هذا التّــعليم

 

والفكـرة الأولى هي في الحقيقة الفكرة الأساس إذ هي تتحكّم في بقـيّة الأفــكار التي تـبدو، مقارنة بها، أشـبه ما تكـون بالفروع، ولذلك فإنّنا سـنركّز عليها هـاهـنـا. إنّ المـرأة تظهر في هذا النّص نـبـتا وأرضـا و بـستـانا و مـزرعة. أمّـا الـرّجـل أو «ربّ الـعـائـلـة» فـهـو يظهـر فـيـه قوّامــا على هذا النّبت وهــذه الأرض وهــذا البســتان وهــذه المزرعة فعــلى الــرّجـال أن «لا يعتمدوا على الصّدفة ولا على غيــرهم مــمّن يــريد أن ينوبــهم في خــدمة بستــانهم».

 

دور البــستاني ووظيفة الأرض متناقضان إذن، والصورة كلّها مستمدّة من قوانين الطّــبيــعة إن تحــدّثنـا بلغـة الطّبيـعيّين ومن شـريعة إلهيّة إن تحدّثنا بلغة الدّيانـيّــين
ومنهم بشــيرة بن مراد، فمن الخطأ بل من الضّــلال أن يبتـغي الـتّاريخيـّون العقـلانيّون
أو التّاريـخيّون المادّيـّون لسنـّة اللّه تبديلا عندما يطالبون مثلا  بالمسـاواة المشطّـة بين الرّجـل والمـرأة، أي بلغـة النّص بين البستاني و الأرض. إنّ مـثـل هذا الموقـف من العـلاقة المثــلى التـي يجـب أن تربـط الرّجـل بالمــرأة هو موقــف ضـارب في القــدم في أغــلب المــجتمعـات التّـقليــديّة التي لم تتــحوّل بــما فيه الــكفاية اقتصاديّا وعلميّا

 

وتقــنيّا إلخ، وهو يتجاوز مستــوى العلاقة بيـن الرّجل والمرأة إلى مســتوى ميــتافيـزيقي مــنشغل بالعلاقة بــين الله والطّبيــعة لا يتــصوّرها إلاّ على هيئــة انشـداد الطّبيعـة إلى اللّه انشداد تامّا كـامـــــلا، ومن ثـمّ فهــو موقف «يقـوم على نــظرة إلى الأشــياء تنــبنــي على مجموعة من الثّـنائيّات: اللّه / الطبيـعة، الشريـعة/ الحياة، الرّوح / الجسد، الأنا/ الآخر، الدّولـة/المجتمع، الـرّجل/المـرأة، الـمعلّم/التّلـميذ، أي نظـرة ترى أنّ العـلاقة بين كـلّ طرف من طـرفي العلاقة هي علاقة عموديّة تؤكّـد على ضـرورة انشداد الطّرف الثّـــاني إلى الطرّف الأوّل انشدادًا كليّا، بمعنى أنّ هـذه العلاقة تنبنــي علــى المتنــاقضات أي على إحـلال مفــهوم التّنـاقض محلّ مفهوم الاختلاف» (1). ويمكن  أن نقــدّم نماذج عديــدة من المفكّــرين المسيحيّين من القـرن السابع عشر الفـرنسي كانوا حـربًا على فكـرة المســاواة لــنتائجها النّاسفة لأسس المجتمع التّقليدي، يحاربونها بنظرة إلى الأشــياء تصنّـفــها عموديّا لا أفقــيّا أي «تــستند على المسـتوى الميتافيزيقي إلى ثنــائيّة قدم اللّه و حدوث الطّبيعة، وعلى الـمستوى السّــياسـي والاجتماعي إلى اعتبار أنّ العــلاقة المثلى بين الــدّولة والمجتمــع هي عـلاقة الانفعال والطّاعــة، ولكنّـنا سنـكتفي بنموذج واحــد هو سيــنو(Sénault) الذي كتب فـي « الملك  أو واجـــبـات السّــلطان» متــغنّيا بفــضائـل التّــركيب العــمودي للأشـياء :

 

« إنّ العـالم الذي هــو أوّل هيــئة ومقيــاس كــلّ الهيئات الأخرى لا يـتسنّى له الــدّوام إلاّ بـهذا النّـظام الرّائــع الــذي يلاحظه المــرء بـين الأجزاء التي تحكم والأجــزاء التــي تطيــع. إنّ هنــاك قانــونا لا يمكن نقــضه في هــذا الجسم، ولم تتــمكّن القــرون المتــعاقبة من تــقويضه: فالأرض تطــيع السّماء وكل ما تــنتج الأرض يــرى في الــشّــمس سيّدا له، والزّهور والنّباتات تتفتّح لاقتبال تأثيــر الشّمس حالـما تظهر، وهي تنــقبض عندما تغــيب. ومن السّهــل على المــرء أن يــجزم أنّ هــذا النّجم الملــيح هــو ملــكها إذ لا تــكنّ احـتراما أو حبّا لغيره»(2).

 

نــحن إذن بــإزاء نظرة إلى الأشياء تتجاوز الخصوصيّات الدّينيّة والعرقيّة، وهي نظــرة لا تعتبر قــضيّة الــعلاقة بين الرجل و المرأة إلاّ واحــدا مــن وجوهها، فالدّفــاع عن ضــرورة الإبــقاء على علاقة عموديّة بين الرجل و المرأة إنّما يتضمّن، و إن لم يــع المرء ذلك، الدّفـــاع عن ضـــرورة الإبـــقاء على علاقة عموديّة بين الله و الطّبيعــة (ميتافيزيــقا) والإبقاء، على علاقة عموديّة بين الدّولة والمجتمع (سياسة) والإبــقاء على علاقة عموديّــة بين المعلّم و التّــلميذ (تعليم). إنّنا لا ندّعــي أنّ بشــيرة بن مـراد، و بقيّــة النّساء التّونسيّات اللاّئي وصفناهنّ بــ”المثقّفات” في نوع من “التّــجاوز” كنّ يعين هذه الشّــبكة من العــلاقات بين مختلف المســتويات الميتافيزيقـيّة و السّيــاسيّة  و الاقتـصاديّة و التّـعليميّة، ولكن هذا القصور عن وعــي التّـــرابط بيــن الأشياء لا يمنــع من دراسة ما ركّزن عــليه من بعض وجوه النّــظرة الشّــاملة لأنّ بقــيّـة الوجـوه موجودة عندهنّ و إن في حالــة «كـمون» عليــنا نــحن أن «نظــهرها».

 

ولا شكّ أنّ القـــارئ لاحظ، وهو يقــرأ ما كــتبت بشــيرة في نصّ «حديــثي مــع وردتين» و مـا كتب سينــو أنّ هنــاك، ومــن وراء لغة الرّمز، تعلّــقا بنــظرة لا تسوويّــة شامــلة، ولعلّ النّص الطّـــويل الـــذي نورد الآن ونــختــم به الحــديث في موضــوع طــبيعة المــرأة يزيد من توضيح المسألة، وهو نصّ كتبته بختـــة بــن موسى، رئيــسة فــرع حمام الأنـــف للاتّحاد النّـــسائي الإســـلامي التّــونسي سنة 1948م، ويمكن أن يفــرّق«صفوف» التّونسيّــات سنة 2007 إذ أنّــه بــقدر ما يمكن أن يحظى
بـ «استحســـان» صــفّ منهـــنّ لا يمــكن أن يحظى بغير «استهجان» الصّف اليساري المسّيس منـــهنّ خاصّـــة:

 

«نفسيّـة المـرأة جديرة بالـدّرس والتّمحيص عميقة غامضة يستحيل على الإنسان إدراكـها إلاّ إذا تغـلغـل فيـها والتمـس الطّريـق إلـى قلبـها، وهـي فـي الوقـت ذاته نفسيّـة نقيّـة طـاهـرة ليـس مـن العسيـر أن تعـرفها، وليس من الصّعب الوصول
إلى قرارتـها هـي غامضـة أحيانا، شفّافـة أحيانا أخرى، ولكنّها دائما متناقضة متباينة قد تحسّ منـها الحـب والعطـف، وقـد ترى منها الجفاء والإعراض، وقد تطوي لك بين حناياهـا كـلّ أنواع المقـت والكـره، بينـما تسمعـك ألفاظـا معسولـة وتقابلـك ببشر وإيناس.

 

هـي أحيانـا تـبتسـم ابتـسامـات عـذبـة رقيقـة خلاّبـة، وقـد تخـفي  وراء هـذه الابتسامـات انتقامـا ذريـعا. و قـد تحكـم عليـها مـن جرّاء هذا الغموض وهذا التّناقض بالخبـث، ولربّما أسرفـت وبالغـت في اتّهامـك، فقلـت إنّـها شيـطان مستأنـث يعبـث بالقلـوب ويرديـها إلـى هـوّة السّقـوط، ولكنّـك لـو دقّقت في طبيعتها وتعمّقت لوجدت أنّـك كنـت فـي حكمـك عليـها قاسـيا وفـي اتّهامـك لـها متسـرّعا. ربّـما امتازت المـرأة بمقدرتـها وبراعتـها في التّمثيـل، ولربّـما أمكنـها أن تتفـوّق فيه حتّى لتخدعك وتوقعـك في بحـور من الشـك والريبـة ،
ولكنّـها لا تستطيـع أن تأتـي مـن الآثـام ما  ينسـب إليـها أو من الظّـلم و العسـف ما يقـدر على إتيانـه الرّجل، يمكنها أن تتلاعب بالعواطـف لأنّـها أم العواطـف. وتستطيـع أن تكـون مـلاك الرّحمة إن أرادت أيضا.

 

وإرادتـها دائـما متفوقـة علـى الجـو المحيـط بـها. وقـد تستطيـع أن تسبغ النّعيـم علـى ذويـها أو تحـوّل حياتهـم إلى جحيـم، وهـذه القدرة تستمدّها دائما من روح الرّجل ومعاملتـه، فقـد تكـون مخلـوقا وديـعا متواضـعا مستسلـما لنوائـب القـدر، ولـكـن إذا مـا استـفـزّها عامـل من العوامـل أو إذا ثـارت عواطـفـها وتملّـكـها الغضـب تحوّلـت هذه الوداعـة إلى شراسة وتحوّل الهدوء إلى هياج والاستسلام إلى عنت وانتقـام.

 

هـي أشبـه بقـطّ أليـف إذا مـا دلّلتـها وعطفـت عليـها وعاملتـها برفق وحكمتها بطريـق العاطفـة لا بطريـق القـوّة- وهـي أسـد كاسـر إذا مـا تسلطـت عـليـها بنفـوذك وسيّرتها بطريـق الإجبـار  والسّلطة. هي لـن تقوم بعمل متقن إذا لم تتـرك لها حرّيـة العمل وحرّيـة اختياره- و لن تقوم بواجـب أجبرتها على تأديتـه- وإن أدّته فإنـّما تؤدّيـه غاضبـة ساخطـة، هي دائـما في حاجـة لتشجيـع وتقديـر، وما ذلـك بالأمـر العسيـر فـربّ كلمـة شكـر أو نظـرة تقديـر قصيـرة تعيد إليـها ما فقدتـه مـن نشـاط ومثابرة. وإنّك لو تساءلت لمـاذا تحتـاج المـرأة إلـى هـذا التّـشجـيـع وهـذا التّقديـر لأجبتـك لأنّ الرّجـل قـويّ معتـزّ بقوّتـه يعمـل وهـو واثـق بجدارته، بعكـس المـرأة التـي أثّـر ضعفـها الجسمـاني على نفسيّتـها فأضعفها، وكان من نتيجة هـذا الضّعـف أن شعـرت بعجـزها وعـدم جدارتـها. لذلـك هـي محـتاجـة أبـدا إلـى مـن يـبثّ فيـها الشّجاعـة لتعـطي نفسـها حقّـها، ولـو أنّـها كانـت لا تحـسّ ذلـك الضّعـف لـما طالبتـه بحقوقـها ولـما سعـت للتّمتّـع بحرّيتها واستقلالها تحقيقا للمسـاواة الاجتماعيّـة بينـها و بيـن الرّجـل سـواء في الحـقوق أو في الواجبـات»(1).

 

من الواضح، إذن، أنّ طبيعتيـن متناقضتين مثـل طبيعتي الرجل و المرأة تفرضان، إن انغـرس الإيــمان بأنّــهما نــاتجتان عن حكمة إلهيّة ، دوريـن متناقضيـن للرّجل و المرأة و مـــن ثمّ تعـــليما خاصّا بكلّ منـــهما:

«إذا كانــت تـــربية الابــن تختلف عن تربية البنت باختلاف الدّور الطّبيعي الذي خصّـــه اللّـــه لكلّ منهــما في الحــياة فإنــه لا يوجد اختلاف من حيث بذل المجهودات على الأمّهات لأنّ تربــية البنت لا تــقلّ أهميّــة عن تربيـة الابــن بل تتعدّاها خطورة لأنّ البنت هـــي الأمّ والأم كلّ شيء » (2) .

 

 

قائمة المصادر و المراجع (1)

– المصادر بالعربيّة مرتّبة ترتيبا ألفبائيّا:

– بن مراد ( بشيرة ): جريدة الحرية، 27 جوان، 1948.

: المرأة و تربية الأطفال، جريدة الحريّة، 27 جوان 1948.

– بن مراد ( محمد الصالح ): الحداد على امرأة الحدّاد أو ردّ الخطإ والكفر والبدع التي

حواها كتـاب امرأتنـا فـي الشّريعة و المجتمع، تونس،

المط الرّسميّة، 1931.

– حدّاد ( الطاهر الـ ): امرأتنا في الشّريعة و المجتمع، تونس، الدّار التّونسيّة للنّشر، ط3،

1977.

المراجع بالعربيّة مرتّبة ترتيبا ألفبائيّا:

بن عيسى ( الطيّب): تحرير المرأة أو شهيرات النّساء الرّاقيات قديما وحديثا، تونس،

مط  الجمهوريّة، 1963.

– قرين ( أرنولد هنري )   :  العلماء التّونسيّون ترجمة حفناوي عمايريّة و أسماء معلّى،

تونس و قرطاج، دار سحنون للنّشر و التّوزيع والمجمع

التّونسي للعلوم و الآداب و الفنون، 1995.

–  مطوي ( محمد العروسي الـ ): السّلطنة الحفصيّة تاريخها السّياسي ودورها في المغرب

الإسلامي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1986.

– نفزاوي ( محمد النّاصر الـ ) : التيّارات الفكريّة السّياسيّة فـي السّلطنة العثمانيّة 1839-

1918، تونس / صفاقس، كلّية ع.إ.إ / دار محمد علي

للنشر، 2000.

 

مراجع بالفرنسيّة :

– Ben Achour ( Mohamed El Aziz ) : Catégories de la société Tunisoise  dans la deuxième moitié du XIX e s, Tunis, Institut national d’archéologie et d’art, 1889.

 

هوامـــش: 

(1) – سنان باشا: هو الذي ضم تونس تونس سنة 981 هـ/1573 م حيث تمكّنت القوات التّركيّة بقيادته من خوض المعركة الفاصلة لا سيما مهاجمة قلعـة حلق الوادي التي ظلّ الإسبان طيلة 43 سنة يشدّدون من استحكاماتها الدفاعيّة وانقرضت السلطنة الحفصيّة نهائيـا بانتصار الأتراك العثمانيّين على الإسبان، وهي السّلطنة التي امتدّت من سنة 603 هـ إلى 981 هـ ( 1207 م/ 1573 م). محمّد العروسي المطوي : السّلطنة الحفصيّة تاريخها السّياسي ودورها في المغرب الإسلامي، بيروت ، دار الغرب الإسلامي، 1986، صص 730- 731.

 

(2) –Mohamed EL AZIZ Ben Achour , Catégories de la société Tunisoise dans la deuxième moitié du  XIXé s, Tunis, Institut national d’archéologie et d’art, 1889, p 184.

(1) – أرنولــد هـ. قرين، العلماء التّونسيّون ترجمة حفناوي عمايريّة وأسماء معلّى، تـونس وقرطاج، دار سحنون للنشر والتوزيع والمجمع التّونسي للعلوم والآداب والفنون، 1995، ص 336.

(2) – عثمانيـّة الأصل صاهرت عائلات تونسيــّة وأصبحت على غـرار عائلـة بيرم الحنفيـّة تونسيّة.

(3) – محمـّد الصالح بن مـراد: ولـد حوالي  1880] و توفي سنة  1979[ بتـونس وهو ابن المفتي الحنفي أحمـد بن مـراد أمّه دوجة بنت عبد الرّحمان التّركي أنجب ستّة أبناء وعشر بنات هم البشير، لمين، توفيق، سامي، طاهر، المنصف، بشيرة، أم هاني، آسيا، قمر، نجيبة، فاطمة، نورا ، حميـدة، صفيـّة بعد الدراسة بجامع الزيتونة أصبح عـدلا سنة 1900 وفي 1904 عيّن مدرّسا حنفيّا من الطّبقة الثانية تولّى بعد الحرب العالميّة الأولى خطّة شيخ الإسلام. أرنولـد هـ – قـرين: العلمـاء التّونسيّـون، مرجـع سلـف ذكره،

ص 338.

(4) – آفاقي: تعني في الأصل الانتساب بالولادة أو الإقامة إلى المناطق خارج العاصمة، لكنّها تعكس أيضا موقف سكّان العاصمة المتكبّـر تجاه غيرهم.  أرنولـد هـ – قـرين: العلماء التّونسيّون، مرجع سلف ذكره، ص 98.

(1) – الطّاهر الحـدّاد: “امرأتنا في الشّريعة والمجتمع”، تونس، الدار التونسيّة للنشر، ط 3، 1977، المقدمة، ص 18.

(1) – المخدّرة والمخدرة : البنت تحفظ بعيـدا عن أنظار الرجال ومن ثمّ البنت العفيفة الطّاهرة الحصناء.

(2) – محمّد الصّالح بن مـراد، الحـداد على امرأة الحــدّاد …، مصدر سلف ذكره صص 19-18.

(3) – محمّد صالح بن مراد: الحـداد …، مصدر سلف ذكره، ص 19.

(1) – الطيّب بن عيسى: تحـرير المرأة أو شهيرات النّساء الرّاقيات قديــما وحـديثا، تونس، مط الجمهوريّة، 1963، ص 8.

(1) – محمّد صالح بن مراد: الحـداد …، مصدر سلـف ذكره، ص 2.

(2) – محمـّد صالح بن مراد: الحـداد …، مصدر سلف ذكره، ص 7.

(1) – محمٌد صالح بن مراد: الحداد . . . ، مصدر سلف ذكره ، ص 19.      

(1) – محـمٌد النـٌاصـر النـفـزاوي : الدٌولـة و المجتمـع مـن محنة ابن رشد إلى خصـومة محمـٌد عبـده فرح أنـطـون، مرجع سلف ذكره .

(2) – محمٌد النٌاصر النفزاوي : التيٌارات الفكريٌة السٌياسيٌة في السٌلطنة العثمانيٌة 1839-1918، تونس/صفاقس  ، كليٌة ع.إ.إ/دار محمٌد علي للنٌشر، 2000،صص72-73.

(1) – الحرٌية، 27 جوان، 1948.

(2) – بشيـرة بـن مـــراد،  جريدة الحــــــــــــــــرية 26 سبــــتـــمبـــــر 1948، ع 25 مقــــــــال بـــــــــعنوان”المــــرأة وتربيــــة الأطـفــال”.

(1) –  في ما يتعلّق بابن حافظنا على هذه الصّيغة عندما يتعلّق الأمر بالقدامى مثل ابن رشد و ابن خلدون ولكنّنا رتّبنا الألقاب الحديثة مثلما تنطق في تونس مثل بلخوجة عوضا عن ابن الخوجة وبلاّغة عوضا عن بنت الآغة وبن سليمان عوضا عن ابن سليمان.

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *