العالـم العربي في أدب أمريكا اللاّتينيـة المعــاصر: بورخيس وباث وماركيث وفوينتاس

بقلم: د. عمر العويني

 

تمهيد

يمثل الحضور العربي الإسلامي في الأدب الأمريكي اللاّتيني المعاصر واقعًا لا يمكن إنكاره. لقد حضر العرب والثّقافة العربية الإسلامية بقوّة، ليس في أعمال كتّاب أمريكا اللاّتينية المعاصرين فحسب، بل في أعمال بعض الكتّاب المحدثين أيضًا. إن قائمة هؤلاء الكتاب طويلة جدّا، وتشمل شخصيات بارزة، مثل الكوبيين خوسي مارتي وخوسي ليثاما ليما، والنيكارغوي روبان داريو، والمكسيكيين أوكتافيو باث وكارلوس فوينتاس، والأرجنتينيين خورخي لويس بورخيس وروبيرتو أرلت، والكولمبي غابريال غارثيا ماركيث، والبرازيلي جورج أمادو، من ضمن كتاب آخرين.

 

تناول كلّ من خورخي لويس بورخيس وأكتافيو باث وغابريال غارثيا ماركيث وكارلوس فوينتاس قضايا عديدة تتعلّق بكثير من المجالات في العالم العربي والإسلامي، كالأدب واللغة، والعلوم والفلسفة والعمارة، والدّين والتصوّف، والتّاريخ والسياسة. كما تطرّقوا إلى بلدان ومناطق من العالم سجّلت فيها الحضارة الإسلامية حضورًا متميزًا، على غرار الأندلس وأمريكا اللاتينية والهند. وعلى المستوى السياسي سلطوا الضّوء على الصراعات العنيفة التي هزّت العالم العربي في القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، مثل الصراع العربي الإسرائيلي، وحرب السويس، والثّورة الجزائرية، واحتلال العراق.

 

لاحظنا خلال دراستنا لأعمال هؤلاء الكتّاب الأمريكيين اللاّتينيين أنهم عكسوا صورتين متعارضتين للعالم العربي الإسلامي: صورة إيجابيّة كلها تقدير وإعجاب، وأخرى سلبية تطغى عليها الأفكار المسبقة والأحكام التقليديّة.

 

الصورة الايجابية للعالم العربي

1- في المجال الأدبي

عبر هؤلاء الكتاب عن إعجابهم بجوانب عديدة من العالم العربي الإسلامي، ففي المجال الأدبي، مثلاً، أبدى بورخيس إعجابه بعمر الخيام ورباعياته، إضافة إلى قدراته العلمية والمعرفية، لذلك يعلن أنه أكثر معرفة من الشّاعر الانجليزي فيتزجيرالد. ومن مظاهر إعجابه بهذا الشّاعر أيضًا أنه حاول في عدة مناسبات تقليد رباعياته، ولكن بطريقته الخاصّة، ودافع عنه أمام مترجميه الذين يحرفون رباعياته أحيانا حسب زعمه.

كما عبر بورخيس عن افتتانه بالسيرة الذاتية للشاعر فريد الدّين العطار وبإنتاجه الأدبي، فركز اهتمامه حول بعض تفاصيل حياته، وتوقّف كثيرًا عند قصيدته الرّمزية “منطق الطير” التي سحرت لبّه، وبصفة خاصّة فكرة تطهير النفس عبر البحث والارتحال التي أشاد بها العطار، فأعاد بورخيس إنتاجها في نص بعنوان “الاقتراب من المعتصم”.

 

“كتاب “ألف ليلة وليلة” أغرى هو بدوره كلّ من غارثيا ماركيث وبورخيس. في أعمال هذا الأخير تظهر باستمرار إشارات متكرّرة إلى قصص وشخصيّات وأحداث وردت في هذا الكتاب. يقوم بورخيس أحيانًا بإعادة كتابة بعض قصص “ألف ليلة وليلة”، وأحيانًا أخرى يخترع قصصًا وينسبها إليه. في الحقيقة يعود إعجاب بورخيس بهذا الكتاب إلى ميله الخاص نحو كلّ ما هو خرافي وأسطوري، من ناحية، ومن ناحية أخرى إلى ميل هذا الكتاب إلى التّسلية والتأثير أكثر من الإقناع الفكري والمنطقي، وهو الأسلوب الذي يتطابق تمامًا مع أسلوب بورخيس.

 

الكاتب الكولومبي غارثيا ماركيث هو أيضا معجب “بألف ليلة وليلة”، الكتاب الذي قرأه عندما كان طفلاً. لقد ترك هذا الكتاب تأثيرًا واضحًا في رائعته “مائة عام من العزلة”، مثلما أشار إلى ذلك الكاتب والنّاقد النيكراغوي نيكاسيو أوربينا.

 

من ناحية أخرى أعرب بورخيس عن إعجابه بالشّعر العربي الجاهلي، بسبب ميله إلى كل ما هو قديم وكلاسيكي، فعبّر عن رفضه لأيّ محاولة تجديد له، معتبرًا أنه أفضل شكل شعري أنتجته اللغة العربيّة. أمّا الشّاعر المكسيكي أوكتافيو باث فقد أسره الشّعر العربي الأندلسي، الذي كان له حسب اعتقاده تأثير بالغٌ في الشّعر الشّعر البروفنسي والشّعر الإيطالي. كما أكد على تأثير كتاب “طوق الحمامة” على الشّعر الغربي عامة، ويظهر ذلك من خلال المواضيع التي تناولها هذا الشعر، مثل الخضوع إلى الحبيبة، وتقديس الجمال الجسدي، والحب كشعور مولد للسّعادة وليس عاطفة مأساوية، وغيرها. يبرر أوكتافيو باث هذا التّفاعل بين الأدب الغربي والأدب العربي الإسلامي بانتماء كليهما إلى الديانة التّوحيدية، المسيحية والإسلام.

 

كما شدّت اللّغة العربية اهتمام ماركيث الذي أشاد بتعلّق العرب بلغتهم، سواء في الهيئات الدّولية أو على مستوى المهاجرين العرب في أمريكا اللاتينية. بينما كارلوس فوينتاس يسلّط الضوء على روعة اللّغة العربيّة من خلال الوجود الكبير للألفاظ العربية في اللغة الاسبانية، معتبرًا أنّ نصف الألفاظ الإسبانية في القرون الوسطى كانت عربيّة.

 

2- في مجال العلوم والفلسفة

أذهلت بعض علوم العرب وعلمائهم كتاب أمريكا اللاتينية الذين نحن بصدد دراستهم. ماركيث، مثلاً، عبر عن إعجابه باختراع ابن الهيثم للبلّور المصحح للنظر. بينما كارلوس فوينتاس بدا مفتتنًا بالطبيب العربي ابن سينا وبكتابه المتميز “القانون في الطبّ”. أما بورخيس فقد أشاد بالجبر، العلم العربي العظيم وبمؤسسه الخوارزمي، كما أشاد بعلم الخرائط والجغرافيا والفلك، بإشارته المتكررة إلى خريطة العالم والإسطرلاب اللذين أحدثهما العرب. أوكتافيو باث عبر عن إعجابه بعلم التاريخ، مثمنا إسهامات ابن خلدون في هذا المجال، وأهمية نظريته في نشوء الإمبراطوريات وتطورها وسقوطها. يعتقد باث أن العصور الوسطى هي فترة ازدهار علمي وفلسفي في العالم العربي، وتمثل “ماضيًا حيّا” يجره العرب وراءهم في حاضر منحط.

 

في المجال الفلسفي عبر بورخيس وأوكتافيو باث عن تقديرهما للجهود التي بذلها المسلمون في العصور الوسطى لإنقاذ الفكر اليوناني من النسيان، وذلك من خلال ترجمته وشرحه. يعتقدان أنه من دون هذا العمل الجبار ما كان لفكر القرون الوسطى أن يشهد نضجه وتطوره المعروف. بفضل المسلمين ترجمت أعمال جالينيوس واقليدس وأرسطو وأفلاطون، وشرحت، ثم نقلت إلى أوروبا.

 

في هذا المضمار يقدم بورخيس وباث ابن رشد كرمز للعربي الذي أنقذ الفكر اليوناني من النسيان. إن تفاني ابن رشد في ترجمة هذا الفكر والتعليق عليه، حسب بورخيس، بلغ غاية من الصرامة تضاهي صرامة العلماء ومفسري القرآن. كما أشاد بورخيس بعقلانية فكر ابن رشد، مقابل الفكر المحافظ. إن إشارة أوكتافيو باث وبورخيس إلى الجدل الذي وقع بين الغزالي وابن رشد عبر كتابيهما “تهافت الفلاسفة” و”تهافت التهافت”، هو علامة على حيوية وديناميكية الفكر الإسلامي في القرون الوسطى.

 

في مجال الفن والهندسة المعمارية، أعرب كل من كارلوس فوينتاس وبورخيس عن افتتانهما وإعجابهما الشديدين بباحات الأندلس ونوافيرها وحدائقها وبساتينها. سحر قصر الحمراء بورخيس بمائه الوفير وأعمدته الرخامية وأسوده المنتصبة وسط الفناء. أما كارلوس فوينتاس فقد أثارت إعجابه حمامات الأندلس التي رأى فيها علامة على معنى النظافة المتجذر في الثقافة الأندلسية. كما أعجب فوينتاس بالفن المدجن في أمريكا اللاتينية الذي يبدو على الجدران وأطر النوافذ والأبواب والقرميد والخشب في السقف. في المقابل، أشاد أوكتافيو باث بمساهمات المسلمين المعمارية والتصويرية والموسيقية في الهند.

 

3- في مجال القيم الإنسانية النبيلة

تطرق بورخيس وأوكتافيو باث في عديد المناسبات إلى بعض القيم الملازمة للثقافة العربية، مثل التسامح والتعايش التي نقلت إلى الثّقافة والتّاريخ الاسبانيين. لذلك يعتقد فوينتاس أن “اسبانيا هي اسبانيا الثقافات الثلاثة المسيحية والعربية واليهودية، التقت في قصر الفونسو الحكيم”.

 

بينما تميزت العصور الوسطى بالحروب الدينية في أوروبا، مثلت الأندلس فترة تعايش وتسامح بين من أسماهم “بأبناء الكتاب” و”الشعوب الثلاثة للكتاب” في إشارة إلى التعايش الإسلامي والمسيحي واليهودي. هذا السياق أبرز فوينتاس تاريخ التعايش بين المستعربين الأسبان والمسلمين، من ناحية، وبين المدجنين والمسيحيين واليهود، من ناحية أخرى، متخذين القديس فيرناندو، ملك قشتالة، ملكا للأديان الثلاثة. بالنسبة لأوكتافيو باث يمثل عبد الرحمان الثالث شخصية رمزية للتسامح في الأندلس، ويتأسف لعدم تمثل الأسبان في ذلك الوقت لروح التسامح فيه، وميلهم إلى طائفية وتعنت فيليب الثاني في ما بعد.

 

غارثيا ماركيث مولع بالطبيعة السلمية للمهاجرين العرب في أمريكا اللاتينية. أعرب في روايته “قصة موت معلن” عن إعجابه بضبط النّفس وسلمية الجالية المسلمة بعد مقتل سانتياغو ناصر. من ناحية أخرى أبرز ماركيث قدرة الجالية العربية على الاندماج، ويبدو ذلك في الصداقات التي يربطها العرب، من خلال متاجرهم، مع مختلف طبقات المجتمع المضيف وشخصياته (الكولونيل ورئيس البلدية والحلاق والسيد كارميتشايل…). تبدو رغبتهم في الاندماج أيضا في طريقة لباسهم، إذ كانوا يرتدون ملابس أهل البلد في الشارع، ويحتفظون بملابسهم التقليدية في البيت. كما تبدو رغبتهم كبيرة في الاندماج الاجتماعي من خلال ترجمة أسمائهم وألقابهم إلى الاسبانية.

في المجال الديني عبر بورخيس عن إعجابه بالقدرة التعبيرية للقرآن الكريم، فصدر، في أكثر من مناسبة، بعض نصوصه ببعض آياته ليستوحي منها بعض معانيها.

 

من ناحية أخرى افتتن أوكتافيو باث بتصوف ابن عربي لنزعته الحلولية ولدعوته للاتحاد مع الله، ولبحثه عن الكمال الأخلاقي. يتجلى افتتانه بالحلولية الصوفية في اهتمامه بحركة التعبد الشعبي،  بهاكتي، التي نشأت في فترة سلطنة دلهي. حاولت هذه الحركة دمج الحلولية الهندوسية والتوحيد الإسلامي، الأمر الذي يعود إلى تأثير التصوف الاسلامي، حسب أوكتافيو باث.

 

  • الصورة السّلبية

لكن في مقابل تلك  الصورة الإيجابية الأولى التي عكسها بورخيس وباث وماركيث و فوينتاس للعالم العربي الإسلامي،  نقلوا أيضا صورة سلبية له، شملت مختلف المجالات الثقافية والحضارية. على الرغم من تنوع الموضوعات وقيمة الشخصيات العربية الإسلامية التي تناولها هؤلاء الكتاب، تظل مقاربتهم إلى حد ما انتقائية واختزالية.

 

1- في المجال الأدبي والفلسفي

في مجال الأدب العربي الكلاسيكي، ركزوا اهتمامهم فقط على كتاب “ألف ليلة وليلة”، وتغاضوا عن أعمال أخرى متميزة، مثل مقامة الهمذاني والحريري، والرواية الفلسفية لابن طفيل “حي ابن يقظان”، التي استوحى منها دانيال ديفوي قصته “روبينسون كريسوي”. في مجال الشعر قصروا اهتمامهم فقط على عمر الخيام، وتجاهلوا روادا كبارا مثل أبي الطيب المتنبي، الشاعر الأكثر إثارة للإعجاب في العالم العربي، أو الشاعر والفيلسوف الفذ أبو العلاء المعري. كما لم يهتموا بشخصيات كبيرة في الحركة الفلسفية والأدبية للمعتزلة، مثل الجاحظ وأبو حيان التوحيدي.

 

في مجال الأدب العربي الحديث والمعاصر، لاحظنا الغياب التام للكتاب العرب الأكثر تمثيلا لتلك الفترة، مثل توفيق الحكيم، وجبران خليل جبران، ومحمود درويش. حتى صاحب جائزة نوبل للآداب نجيب محفوظ ذكره كارلوس فوينتاس بصفة عابرة عند حديثه عن رواية القرن الواحد والعشرين.

 

في المجال الفلسفي اهتموا بابن رشد وابن عربي فقط، وتركوا جانبا شخصيات شهيرة، مثل الكندي، والفارابي، والقرطبي ابن مسرة، والسرقسطي ابن باجة. كما لم يشيروا إلى رجال العلم والثقافة المشهورين، مثل علماء الفلك البتاني والبيروني، والموسيقي زرياب، وعالم الرياضيات ثابت بن قرة، والطبيب الرازي، وغيرهم.

 

فيما يتعلق بالفكر اليوناني حصروا دور العرب في كونهم مجرد ناقلين لهذا الفكر، ووسطاء بين الشرق والغرب. عبر عن هذا الرأي أوكتافيو باث عندما صرح بأن “العرب نقلوا إلى أوروبا في العصور الوسطى فكر أرسطو وطب جالينيوس”، دون الإشارة إلى أي إضافة عربية إلى الفكر اليوناني. لكن المفكر الاسباني غوميث نوغاليس يرى أن التغيير الذي أدخله الفلاسفة العرب على الفكر اليوناني كان عميق جدًّا، بحيث استخدمه المسيحيون في وقت لاحق كأداة فعالة للدفاع عن دينهم، أمام النظريات العلمية الجديدة. من الإضافات العربية للرياضيات، مثلا، نذكر العد الموضعي، واستخدام الأرقام السالبة، وغيرها. في الطب صحح ابن النفيس (القرن الثالث عشر) الدورة الدموية الرئوية لجالينوس، وقدم معلومات جديدة، مما جعلها تحسب له كإضافة عربية في هذا المجال. كما يندرج اختراع ابن الهيثم للبلّور المصحح للرؤية في نفس هذا الإطار. ابتكر المسلمون كذلك عدة علوم دينية تأسّست على مبادئ الفكر الفلسفي، مثل مبادئ علم أصول الفقه وعلم الكلام والتصوف، وغيره.

 

2- في المجال الديني

يعتقد بورخيس وأوكتافيو باث أن الحرب المقدسة وهداية الناس بالقوة هو سلوك متأصل في الإسلام. بالنسبة لبورخيس، كان الخليفة عمر بن الخطاب على غاية من الدموية والوحشية مثل تيمور لنك، ويتهمه بإعطاء الأمر بتدمير مكتبة الإسكندرية. يرى باث أن المفاهيم التي قادت الأسبان خلال غزوهم لأمريكا، مثل الحرب الصليبية، والحرب المقدسة، والنهب، والتعطش إلى الذهب، وأمراء الحرب، والحكم المستبد، والرسالة الكونية هي إرث من الماضي الأسباني العربي. لكننا نلاحظ أن من عادة الغربيين الخلط بين الإسلام والتاريخ الإسلامي، فينسبون كل ما اقترفه المسلمون إلى الإسلام. في حين أن القرآن يعلن أنه «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف، 29). لا يسمح الإسلام بإجبار الناس على الاعتقاد فيه، حتى النبي محمد (ص) نفسه منع من ذلك في قوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس، 99).

 

النظرة إلى التّاريخ في الإسلام هي أيضا شملها التّحريف. حسب أوكتافيو باث، انتصرت فكرة الأبدية في الإسلام، فأغلقت أبواب المستقبل، وحكمت على الفعل الإنساني بالقدرية. يبدو أن الكاتب المكسيكي اختار النظرية الجبرية والقدرية لفهم حرية الإنسان في الثقافة العربية الإسلامية. استبعد نظرية المعتزلة التي تقوم على مفهوم الإرادة الحرة للإنسان، ونظرية أبي الحسن الأشعري المعروفة باسم الأشعرية، والتي تنص على أن إرادة الله تتطابق مع إرادة الإنسان لتمنح البشرية حرية كاملة.

 

كما ناقش بورخيس المبدأ الإسلامي الأول، وحدانية الله، معتبرا إله الإسلام رهيبا ووحيدًا. حتى ذكره في مآذن المساجد يسبب له الحزن. لكن اشمئزازه من التوحيد يعود في الحقيقة إلى رغبته في التنوع الذي يراه مولدا للثراء. إن الله واحد ووحيد. واحد يعني ليس هناك إله غيره، ووحيد يعني فريد من نوعه، وليس له شبيه، فالله بهذا المعنى ليس سيئا ولا رهيبا كما يظن بورخيس، وتنوع هذا العالم يأتي من الواحد، وليس هناك أي تناقض مادام هو الخالق.

 

كما شكك بورخيس في بعض المعتقدات المتعلقة بالقرآن، مثل خلوده، ووجوده قبل خلق السماوات والأرض، وحتى قبل اللغة العربية، وعدم قدرة الإنسانية على الإتيان بمثله…، معتبرا إياها أفكارا غريبة.

إن رفض بورخيس لمبدأ التوحيد، جعله يحمل الإسلام كدين توحيدي مسئولية فشل التعايش مع الهندوسية في الهند. فالتنافس الشديد والصّراعات الدّموية بين المسلمين والهندوس تعود، حسب بورخيس، إلى عدم قدرة الإسلام على استيعاب المعتقدات الهندوسيّة. لكن رغم هذه الصّراعات بين أنصار الديانتين، علينا أن لا ننسى فترة التعايش بينهما التي دامت أكثر من خمسة قرون، حرص خلالها الزعماء المسلمون، كما يقول أوكتافيو باث، على خلق مناخ من الوئام والتسامح بين كل مكونات الهند. واستطاعوا بذلك المحافظة على التنوع العرقي والثقافي والديني، وعلى الوحدة السياسية للهند.

 

وضع المرأة في العالم العربي الإسلامي أصابه أيضًا التّحريف في أدب أمريكا اللاتينية المعاصر. أشار أوكتافيو باث إلى موضوع خضوع المرأة، وإلى العقليّة الذكرية في المكسيك، معتبرًا أنّ هذه الظواهر الاجتماعية متأتّية من الثّقافة الاسبانية العربية. نحن نرى أن هذا التّصور خاطئ ولا يتوافق مع الوضع الحقيقي للمرأة في القرآن الذي رسخ مبدأ المساواة بين البشر في قوله: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا» (الحجرات، 13).

 

الخلاصة

باختصار تبدو نبرة الإعجاب بالمكوّن العربي الإسلامي واضحة في أعمال كل من بورخيس وباث وماركيث وفوينتاس. تناولوا مختلف القضايا الثّقافية والاجتماعية والأخلاقية للعالم العربي. كما شملت أعمال هؤلاء الكتاب عديد الشّخصيات االمتميّزة في العلوم، مثل ابن الهيثم وابن سينا وابن خلدون، وفي الأدب، مثل ابن داود وابن حزم وفريد الدّين العطار وعمر الخيام ونجيب محفوظ، وفي الفلسفة، مثل ابن رشد والغزالي، وفي السياسة، مثل عبد الرّحمان الثالث وعبد النّاصر والسلطان محمد الخامس والحبيب بورقيبة. كما أشاروا إلى كتب عربية ذات شهرة عالمية، مثل “طوق الحمامة” و”كتاب الزهرة” و”ألف ليلة وليلة” و”القانون في الطب” و”تهافت الفلاسفة” و”تهافت التهافت”.

 

 

 

 

 

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *