فكرة التقدّم عند محمود المسعدي (1911-2004م)من خلال مجلّة “المباحـث”

 

 بقلم: أ. سنــاء إلاهي

 

 الفصـــل الأوّل

تقديم المجلّة وأصحابها

 

 مجلة المباحث :

هي مجلّة تونسيّة صدرت لأوّل مرّة في ثلاثينات القرن العشرين وتحديدا في جانفي 1938. وقد قام بإصدارها محمد البشروش يقول عبد الحميد سلامة في دراسته ” صدرت مجلّة المباحث سنة 1938 وأصدرها محمد البشروش وهي مجلة أدبية [1]

في تلك الفترة كشفت هذه المجلة عن قضايا الأدب التونسي والأجنبي وقد واجه محمد البشروش بعد إصدار العدد الأول من المجلة عراقيل جمة من بينها قلة المال بالإضافة إلى صعوبة التنقل بين العاصمة والحمامات لأنّه كان يدرّس بالحمامات ومقر نشر المجلة كان بتونس العاصمة. لكن رغم ذلك قام بمجهودات كبيرة وتغلّب على الصعوبات وأصدر العدد الثاني من المجلة في مارس 1938 وقد كانت المجلّة تصدر كل شهرين وتهتمّ بالأدب والفنّ والتاريخ والفلسفة وبعد مارس 1938 توقف نشر المجلة رغم محاولات البشروش الذي لم ييأس وظلّ يبحث عن منافذ وعن حلول لكي يعيد الاعتبار إلى المجلة.

يقول عبد الحميد سلامة ” وبقي خلال هذه المدّة يعالج بالكتابة مشاكل النشر والتوزيع بتونس ساعيّا لدى إدارة المعارف إلى الانتقال من الحمامات إلى حمام الأنف حتى يكون قريبا من العاصمة” [2] انقطع نشر مجلة المباحث لمدة طويلة تقارب الخمس سنوات.

وفي 10 أفريل 1944 نجح البشروش في نشر مجلة المباحث التي صدرت هذه المرّة في ظروف عالمية حرجة تتمثل في النتائج التي خلفتها الحرب العالميّة الثانية”. خرجت في ظروف صعبة من جرّاء مخلّفات الحرب العالمية الثانية وقلة الورق في السوق [3].

سميّت المجلّة مجلّة المباحث لتعدد مباحثها الفنيّة والأدبيّة والفلسفيّة والجغرافية والعلميّة إلى جانب الأشعار والمؤلفات التونسيّة وبعض المتفرّقات والمترجمات والقصص والرّسوم والصّور. وقد ساهم فيها ثلة من الشعراء والأدباء والمثقفين التونسيّين الذين دعموا بكتاباتهم مجلة المباحث وخدموا الفكر التونسي وساندوا البشروش في مسيرته الفكرية النضاليّة وهؤلاء هم علي الدوعاجي، محمود المحيرصي، التيجاني العنّابي، الحبيب فرحات، أحمد الشريف، عثمان الكعّاك، محجوب بن ميلاد، حسن حسني عبد الوهاب، مصطفى خريّف، محمد السويسي، صلاح الدّين التلاتلي، أبو القاسم الشابي ومحمود المسعدي ذاع صيت مجلّة المباحث وتواصل الإقبال عليها حتى بعد وفاة محمد البشروش.

فمن هو محمد البشروش؟

 

التّعريف بمحمد البشروش :

  • نسبه وولادته :

هو محمد بن حمدة بن محمد البشروش ولد بالوطن القبلي وتحديدا ببلدة دار شعبان التابعة لولاية نابل في أفريل سنة 1911 وهي نفس السنة التي ولد فيها صديقه محمود المسعدي فالبشروش إذن معاصر للمسعدي تاريخيا وفكريّا، ولعلّ هذا السبب رئيس لأنّ المسعدي سيشارك في مجلّة المباحث التي أسسها البشروش.

  • أهمّ مراحل حياته :

أ/ المرحلة التعليمية :

التحق محمد البشروش بالكتّاب منذ نعومة أظافره وأتمّ دراسته الابتدائية بمدرسة دار شعبان سنة 1925 ثمّ بعد ذلك التحق بجامع الزيتونة لكي يتمكّن من اللغة العربيّة ويطّلع على ما شرّع الله لعباده من السّنن والأحكام.

كلّ ذلك مكّنه من الانضمام إلى الفرع الإسلامي من مدرسة ترشيح المعلّمين والتي تخرّج منها سنة 1930. بعد أربع سنوات من تخرّجه توفيّت جدّة البشروش وتحديدا في 29 أكتوبر 1934. يقول عبد الحميد سلامة “توفيّت في 29 أكتوبر 1934 وهي نفس المدّة التي توفي فيها صديقه الحميم أبو القاسم الشابي”[4].

ب/ المرحلة الأدبيّة والفكريّة :

لقد كان للرصيد العلمي فضل كبير على البشروش فبفضل هذا الإملاء المعرفي اشتغل البشروش بالتدريس كما اشتغل بالأدب وكتب العديد من المقالات وكان يمضي هذه المقالات باسم عبد الخالق نسبة إلى جدّ جدّه “فرج بن محمد بن عبد الخالق”.

أسّس مجلة المباحث في جانفي 1938 ونلاحظ أنّ المجلّة عموما كانت لها أهداف توعويّة وإصلاحيّة فهي لم تنشأ في ظروف إيجابيّة بل نشأت في ظلّ الحرب العالمية الأولى وفي ظل الاستعمار الفرنسي لتونس فشهدت البلاد تخلّفا في جميع القطاعات الاقتصادية والتعليمية والإدارية. وترّكز خاصة على القطاع الإداري لأنّ البشروش عمل فيه حوالي أربعة عشر عاما فواكب هذا التخلّف وعاشه.

 

        ج/ وفاته :

مرض البشروش مرضا شديدا ففشل الأطبّاء في إنقاذ حياته وكان لذلك أثر كبير في مجلة المباحث التي أصدرها.

إذن نلاحظ أنّ مسيرة البشروش الثقافية كانت تتميّز بالثّراء والخصوبة، لكن هذه المسيرة الفكريّة لم تتوقف بل تواصلت عن طريق نخبة من المفكرين التونسيين الذين واصلوا إصدار المجلة وبثّ الرّوح فيها ونشرها تكريما لصديقهم محمد البشروش.

ومن المعاصرين للبشروش محمود المسعدي الذي كتب مجموعة من المقالات في مجلّة المباحث بعنوان مشكلة المعرفة عند الغزالي، حديث القيامة، مولد النسيان، السندباد والطهارة، مشكلة المعرفة عند القدماء وفلسفة المحدثين.

فمن هو محمود المسعدي؟

 

 

التعريف بالمسعدي

  • نسبه وولادته :

هو محمود المسعدي ولد سنة 1911 بالوطن القبلي وتحديدا بتازركة من ولاية نابل.

مرّ هذا الأديب والمفكّر التونسي بمراحل في حياته :

  • المرحلة التعليمية :

عندما كان طفلا تلقى المسعدي تعليمه بالكتّاب فحفظ جزءا كبيرا من القرآن ثمّ التحق بالصادقيّة ودرس فيها حوالي خمس سنوات أي من 1924 إلى 1926 وكان للقرآن تأثير كبير في تصورات المسعدي الفكريّة كما أثرى معرفته الدّينيّة باطّلاعه على مؤلفات العرب القدامى.

لم يكتف المسعدي بمعرفة تراثه بل اطّلع على ثقافة الغرب وفلسفته عندما سافر إلى باريس وتحصّل على الجزء الأول من الباكالوريا “انخرط منذ سنة 1933 في سلك طلبة كليّة الآداب بجامعة الصّوريين”[5]

تخرّج المسعدي من كليّة الآداب وتحصّل على الإجازة سنة 1936 وتحصّل على التبريز سنة 1947. وعنون أطروحة الدكتوراه التي قام بتسجيلها “مدرسة ابي نوّاس الشعريّة” وأطروحة تكميليّة حول الإيقاع في السّجع العربي نشرت بالفرنسيّة سنة 1982.

كان لهذا المزيج بين الثقافة الغربيّة والثقافة العربيّة الإسلاميّة دور كبير في بناء معرفة المسعدي التي تهدف إلى التقدّم والرقيّ الإنساني.

 

  • مرحلة التدريس والنّضال الفكري :

درّس المسعدي بمعهد كارنو إلى سنة 1938 ثمّ بالمعهد الصّادقي إلى حدود سنة 1946، كلّف في نطاق حركة التحرير الوطني بشؤون التعليم. وانظمّ إلى الحركة النقابيّة وانتخب أمينا عامّا مساعدا للإتحاد العام التونسي للشغل سنة 1948، كما انتخب عضوا باللجنة التنفيذيّة للأمانة المهنيّة العالميّة للتعليم.

أعماله :

للمسعدي الأعمال الكاملة التي جمعت فيها كل مؤلفاته، السّد، مولد النسيان، حدّث أبو هريرة قال، تأصيلا لكيان.

اشرف المسعدي على مجلة المباحث الثقافيّة فيما بين 1944 و 1947.

وفاته :

بعد مسيرة أدبيّة وثقافيّة زاخرة توفى المسعدي في 16 ديسمبر 2004.

 

الفصـــــل الثانــــي

التقــــدّم في نظر محمود المسعدي

 

المبــحث الأوّل

مفهـــوم ” التقدم”

 

التقدّم :

  • التقدّم كما حدّده أصحاب المعاجم والقواميس :

يعتبر مصطلح ” التقدّم” مفتاح بحثنا ونظرا إلى أهميته نجده في المعاجم الكبرى مثل لسان العرب لابن منظور ومصطلحات العلوم الإسلامية للتهانوي.

شرح ابن منظور التقدّم انطلاقا من الموقف أو الحالة التي يكون عليها الإنسان فمثلا في حالة الحرب المتقدم هو الذي يكون في الأمام.

يقول ابن منظور ” والقدم أمام وهو يمشي القدم والقدميّة والتقدميّة إذا مضى في الحرب”1[6].

أمّا في ما يتعلق بالفضائل والقيم والأخلاقيّات فالرجل المتقدّم هو الذي يسبق غيره ولا يتأخر في المساعدة وفعل الخير. يقول” والتقدميّة إذا تقدّم في الشرف والفضل ولم يتأخر عن غيره في الأفضال على الناس” [7].

تطرّق التهانوي أيضا في مصطلح العلوم الإسلامية إلى معنى التقدّم، وبيّن أنّ التقدم “يطلق على خمسة أشياء وهي : الزّمان والشرف والرتبة والطّبع والعليّة [8].

لم يورد التهانوي تحديدا دقيقا بل تعدّدت صور التقدم وتنوّعت حسب الزمان والمكان والفضائل والطّباع فالسّابق في الزمن هو المتقدّم كذلك السابق في المكان هو المتقدّم بالرتبة والسّابق في الأخلاق والفضائل هو المتقدّم بالشرف والطّبع. معنى التقدّم في مصطلحات العلوم الإسلاميّة للتهانوي وفي لسان العرب لابن منظور يختلف عن المفهوم المعاصر، التقدّم بالفرنسية progrès.

وقد رتّب جميل صليبا هذا المفهوم في المعجم الفلسفي ليصل إلى أنّ التقدم يراد به الارتقاء إلى مرتبة عليا للسموّ بالذات التي تتوق دائما إلى عالم الكماليات وتطمح إلى الأفضل.

التقدّم في المعجم الفلسفي هو ” الانتقال من الحسن إلى الأحسن أي من حالة يعدّها الناس تخلّفا إلى حالة يعدّونها كمالا” [9]فالتقدم حركة متواصلة مستمرة يسعى من خلالها الإنسان إلى الرقي الفكري الحضاري، يقول جميل صليبا “ولكن التقدم إن اختلفت صوره وأشكاله فهو هو في الجوهر… إنه انتقال تدريجي من نظام متّصل من الأدنى إلى الأعلى أو من النقص إلى الكمال” [10]

التقدم في المعجم الفلسفي يختلف عن المفهوم التقدم في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية فكيف عرّف علماء الاجتماع التقدّم؟

التقدم مع علماء الاجتماع يتحقق برغبة المجتمع في الارتقاء بنفسه على جميع المستويات العلمية والاقتصادية المقررة فيتحقق بذلك التطور والتقدم، يقول أحمد زكى بدوي في معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية “التقدم progrès هو تلك الحركة التي تسير نحو الأهداف المنشودة والمقبولة أو الاهداف الموضوعية التي تنشد خيرا أو تنتهي الى نفع… كما تشير الكلمة إلى انتقال المجتمع البشري إلى مستوى أعلى من حيث الثقافة والقدرة الإنتاجية والسيطرة على الطبيعة”[11]مفهوم التقدم هو مفهوم معاصر استعمله المفكّرون والباحثون والمصلحون وهذا المفهوم بقي محلّ إشكال لعدم وضوحه الظاهر هذا الغموض حاولت المعاجم والقواميس تفكيكه. فسهيل إدريس في المنهل مثلا اعتبر التقدم ارتقاء وانتشارا واتساعا وتطوّرا ونموا.

التقدم في نظره لا يمكن أن يتحقق بمحض الصدفة وإنما هو مسار يسلكه الإنسان للارتقاء.

يقول سهيل إدريس ” المتقدم آخذ في التقدم والتقدمي مؤمن بالإصلاح السياسي والاجتماعي”[12]

نفس التفسير تقريبا نجده في القاموس الفرنسي Le petit Robert فالتقدّم عند بول روبير هو النموّ والتنمية والنشوء والازدياد والتدرج والتطور الذي يكون نحو الأفضل في جميع المجالات سواء كانت اجتماعية أو تقنيّة، يقول بول روبير ” التقدم هو ثورة إنسانية وحضارية لبلوغ الكمال”[13].

مفهوم التقدّم تختلف صوره من معجم إلى معجم ومن قاموس إلى آخر لكن التقدّم في جوهره هو اتجاه إلى الأمام دون الالتفات إلى الوراء، هو ذلك الارتقاء التدريجي نحو عالم الكماليات.

والتقدم يرتبط ارتباطا وثيقا بمفاهيم التحديث والإصلاح والتمدّن والتجديد وهي كلّها مفاهيم تهدف إلى الارتقاء بالبشريّة إلى مرتبة عليا وتسعى إلى تكيف شخصيّة الأفراد مع الأوضاع العصريّة وهو غاية فلاسفة الأنوار في أوروبا والمفكرين العرب والمسلمين.

يقول الجابري ” إننا متقدمون في معارفنا وعلومنا بواسطة قوانين ميكانيكا نيوتن وقوانين نظريّة السببيّة ولكن تقدّمنا هذا نسبي[14]. إن التقدم هو ذلك التطوّر العلمي والتكنولوجي ولقد عرف اليوم الغرب تطورا تكنولوجيا لم العالم العربي.

 

  • التقدم في نظر المسعدي :

من بين المفكرين الذين تعرّضوا أيضا إلى فكرة التقدم الأديب والمفكر التونسي محمود المسعدي وذلك في مقالاته التّي نشرها في مجلة المباحث وكان في كل مقالة يتعرض إلى عدة إشكاليات تعوق التقدم محاولا بذلك تطهير الفكر الإنساني وتخليصه من كل العوائق التي تكبّله والارتقاء به إلى الكمال.

وهذه الفكرة لم تولد من فراغ بل هي صدى للفلسفة الوجوديّة التي تأثّر بها محمود المسعدي وكان من أعلامها جون بولا سارتر (1905-1980) آرثر شوبنهاور (1788-1860)، ألبار كامو (1913-1960) لكن ما هو التعريف الذي يجمع كل هذه التعريفات؟

نستخلص أن التقدم هو محاولة ارتقاء الإنسان من عالم الدونية والفساد إلى عالم الخلاص والكمال الإنساني هذا العالم الذي يحقق فيه الإنسان إنسانيته في هذا العالم المعاصر ويواكب التطوّر التكنولوجي والعلمي. ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نكشف عن فكر المسعدي التقدمي، هذا الفكر جمع بين ثقافة حديثة وثقافة قديمة كان يتوق فيها إلى الروحانيات.

فكيف يجمع فكر المسعدي بين ثقافة قديمة وأخرى حديثة خاصّة في مقال : إشكالية المعرفة عند القدامى والمحدثين. من هم القدامى ومن هم المحدثون؟ ماذا نعني بإشكالية المعرفة في هذه المقالة؟ إلى ماذا يحيلنا المفهوم منذ البداية؟

لماذا تعرّض المسعدي إلى الغزالي دون غيره لطرح مشكلة المعرفة؟ أليقارن بينه وبين ديكارت باعتبار الأوّل صوفيا اعتمد الحدث للوصول إلى المعرفة والكشف والثاني اعتمد التفكير العقلاني للوصول إلى المعرفة؟ لماذا هذه النّصوص في مجلة المباحث دون غيرها؟ لماذا نصّ “حدّث أبو هريرة قال”، لماذا نصّ “حديث القيامة”، لماذا “المسافر”؟ ألكي يبرز من وراء هذه النصوص جدليّة المعرفة والتقدّم؟ وإذا كانت هذه النصوص الأدبية تهدف إلى إبراز جدلية المعرفة والتقدّم فأين تبرز هذه الجدلية في مقالات المسعدي ونصوصه؟

 

المبحـــث الثاني

المسعدي وإشكاليّة المعرفة

 

/I إشكاليّة المعرفة :

  • مفهوم المعرفة :

المعرفة مصدر من عرف ونعني بالمعرفة “إدراك الشيء على ما هو عليه وعرف وعرفة وعرفانا وعرفانا ومعرفة الشيء علمه”[15]

والمعرفة مطلب متجدّد باعتبار أنّ الإنسان لا يتوقف عن طرح الأسئلة التي تعبّر عن رغبته الدّائمة في كشف الحقائق وعلم ما هو موجود. ولكن لم نجد إلى اليوم تحديدا دقيقا للمعرفة لاختلاف التيارات الفكريّة والفلسفيّة، يقول معن زيادة في الموسوعة الفلسفيّة العربيّة “المعرفة يختلف تحديدها من مؤلّف الى آخر ولم يقع الاتفاق بعد على تحديد موحّد لها بيد أنّ قاسمها المشترك عند جميع المؤلفين هو أنّها تتكوّن من مجموعة الأحكام والأفكار والتصوّرات الّتي تحكم أذهان بشريّة”[16]

هذا الاختلاف في تحديد تعريف موحّد للمعرفة يضع المعرفة موضع إشكال، وهذا الإشكال حاول كلّ مفكّر تفكيكه وتحليله لكي يكسبه تحديدا يتوافق مع مرجعيّاته وانتماءاته الفكريّة لأنّ مفهوم المعرفة في حدّ ذاته كان يتّسم بعدم الدقة، ولا توجد معرفة واحدة بل هناك معارف متنوّعة.

مفهوم المعرفة أعمّ وأشمل من مفهوم العلم ” المعرفة قبل العلم وأعمّ منه وقوعا إذ تكون مع كل علم معرفة وليس مع كلّ معرفة علم، وهناك معرفة اكتسابيّة أوليّة، معرفة تامّة، معرفة الحجّة معرفة خاصّة، معرفة عامّة، معرفة المتعلّم، معرفة مكسوبة، معرفة ناقصة”[17]. طرح العديد من المفكرين إشكالية المعرفة أي درسوا الإشكاليات التي تطرحها قضيّة العلاقة بين الذّات العارفة وموضوع المعرفة ومن بينهم المسعدي.

 

  • مشكلة المعرفة عند المسعدي :

ينتمي المسعدي إلى التيّار الوجودي تأثر بسارتر وشوبنهاور اللّذان قالا بأسبقيّة الوجود على الماهيّة، فالإنسان يوجد أولا ثمّ بعد ذلك تتحدّد ماهيته من خلال اختياراته فمشكلة المعرفة إذن عند الوجوديين مرتبطة بمشكلة الوجود والزّمن ” ترتبط مشكلة المعرفة بمشكلة الوجود برباط لا ينقسم فكل إدّعاء بالمعرفة لابدّ أن يتضمن تقريرا عمّا هو موجود وغير موجود”[18].

 

ولكن أريد أن أبيّن هنا أنّ المعرفة على اختلاف تياراتها الفكريّة والفلسفيّة ومهما كانت إشكالياتها المطروحة فهي ذلك المنهج الذي ينتهجه المفكر لبلوغ مراميه وأهدافه وتحسين مستوى عيشه.

وهذه الفكرة نجدها تقريبا في كلّ التعريفات وخاصّة عند المسعدي الذي بيّن أنّ الإنسان يسعى دائما إلى تخليد صورته والارتقاء بها إلى مرتبة الألوهيّة متحديّا الزمان والوجود. هذا التحدّي أو هذا الصراع التراجيدي هو تمرّد على العجز وعلى العادات الموروثة لكن هذا التمرّد أو هذا النضال الذي يتزعمّه الإنسان المأسوي يحمل في طيّاته تصوّرات وأفكارا تعبّر عن فلسفة المسعدي وتكشف عن مشكلة المعرفة من خلال نصوصه. يقول “مأساة الإنسان يتردّد بين الألوهيّة والحيوانيّة”[19]

لكنّ المسعدي لم يطرح مشكلة المعرفة من منظور وجودي فحسب بل من زوايا نظر مختلفة ليبرز نقاط الالتقاء والاختلاف بين الفلاسفة والحكماء القدامى والمحدثين. ورغم أنّ المسعدي من المفكرين المعاصرين فهو لم يقصي التفكير القديم الذي عالج مشكلة المعرفة.

“ورفض الوجوديّون مناقشة نظريّة المعرفة في صورها التقليديّة إلاّ أنّهم لم ينقادوا إلى رفضها رفضا باتا”[20]

إذن التيّار القديم والحديث اجتهدا في رفع الغموض عن المعرفة لإدراك الحقيقة والرقيّ بالفكر الإنساني رغم أنّ الحقائق تختلف وقد تلتقي أحيانا. فما هي مشكلة المعرفة عند القدامى والمحدثين؟

 

  • إشكاليّة المعرفة عند القدامى :

أ/ أفلاطون : من الفلاسفة اليونانيّين ولد بأثينا سنة 426 ق م وتوفيّ سنة 347 ق م.

يرجع أفلاطون المعرفة إلى مصادر أربعة أوّلها الإحساس والمعرفة الحسيّة نسبيّة وجزئيّة ومتغيّرة وثانيها الحكم وهو ظنّي وتخميني وثالثها الإستدلال ورابعها التعقل وهو إدراك الماهيات الخالصة.

تميّز منهج أفلاطون بالحوار وأكد على ضرورة استعمال العقل للتخلّص من الأحكام المسبقة أو ما يسمّيه أفلاطون بالكهف المعرفي الذي يقبع فيه العامّي غير الممارس للفلسفة.

طرح أفلاطون مجموعة من الأسئلة : هل المعرفة ممكنة؟  وما مداها؟ وهل في مقدور الإنسان أن يركن إلى صدق إدراكها وصحّة معلوماته؟ وما هي وسائله لتحصيلها؟ هذه الأسئلة تبيّن أن العقل عامر بذكريات المعاني السرمديّة.

يقول المسعدي ” فإنّ العقل عند افلاطون عامر بذكريات المعاني السرمديّة”[21]

كما بيّن أفلاطون أنّ النفس مصدر المعرفة فيقول ” أن نتفلسف هو أن نتدرّب على الموت”، فالعقل يستمدّ الحقيقة من معاني كليّة ثابتة لا تتغيّر على مرّ الزمان وقد أورد المسعدي مشكلة المعرفة عند أفلاطون وبيّن أنّ العقل عامر بذكريات المعاني السرمديّة ويعني بالمعاني السرمديّة المعاني الإنسانية الخالدة التي ينظّر لها أفلاطون هذه المعاني الفاضلة تحقّق التوازن والعدالة وبالتوازن والعدالة ندرك السعادة.

المعرفة نوعان حسب أفلاطون معرفة عاميّة ومعرفة فلسفيّة، حيث بيّن في أمثولة الكهف أن المعرفة الحقيقيّة بالنسبة إلى سجين الكهف تتمثل في انعكاس الضوء في ذلك الكهف لذلك يحثّ أفلاطون السجين على التحرّر من أوهامه القديمة لأن الفلسفة ليست إلا صراعا ذاتيا بين ما هو معرفة عاميّة وبين ما هو معرفة فلسفية باعتبار أن الوهم والحقيقة ملازمان للإنسان، فمن استطاع التحرر من الوهم استطاع أن يكون إنسانا ومن يغلق على نفسه عالم الوهم يمكث عاميا ضالا بما أن حضور العامي ليس إلا حضورا مجانيا فكأنّه ليس إنسانا إلا على سبيل المجاز والغياب لأن إنسانية الإنسان حسب أفلاطون تكمن في التفكير بنفسه أي في إضفاء معنى ما على وجوده وذلك للارتقاء بالإنسان إلى المدينة الفاضلة التي يحكمها الفيلسوف والمعرفة تختلف من فيلسوف إلى آخر، المعرفة عند أفلاطون ليست المعرفة عند كانط ليست المعرفة عند أرسطو أو ديكارت أو نيتشة.

فما يميز المعرفة عند أفلاطون هو التذكر حيث يقول ” المعرفة تذكّر والجهل نسيان” لقد أثرت فلسفة أفلاطون في العديد من المفكرين العرب والمسلمين من المتكلمين والمتصوفة. وقد تأثر محمود المسعدي به فوجدنا صدى فلسفة أفلاطون في فكره.

ب/ أرسطو : هو تلميذ افلاطون ولد سنة 384 ببلدة سطاغيرا شمالي اليونان وتوفي سنة 322 ق م. في البداية تأثر أرسطو كثيرا بمعلّمه أفلاطون وكان يدافع بحماس عن النظريات الأفلاطونية التي تنظّر للعالم المثالي. بعد ذلك رأى أرسطو أن تفكير أفلاطون ميتافيزيقي (ماورائي) فاتّجه إلى التفكير العلمي الذي يقوم على التحليل الواقعي للأشياء. يقول المسعدي في مجلة المباحث “فالفلسفة تقتضي صاحبها أن يعلل وأن يوثق” [22]، المعرفة عند أرسطو تكون نظرية يدرك فيها العقل الكليات كعلوم الفلسفة والطبيعة والرياضيات وتكون الغاية في ذاتها والمعرفة التي تتناول الأفعال عملية حيث يكون العقل فاعلا والمعرفة العملية حسب أرسطو هي الأخلاق والسياسية أو المعرفة الإنتاجية وهي المعرفة التي تنجح في إنتاج شيء.

 

المعرفة عند أفلاطون تختلف عن المعرفة عند أرسطو باعتبار أن ارسطو يحلّل الأشياء تحليلا علميا دقيقا وأفلاطون يستند إلى أفكار ميتافيزيقية وما يميّز المعرفة عند أفلاطون هو التذكّر لقد بين أرسطو أن ” الدهشة بداية الفلسفة” وذلك لأنّها تمثل لحظة سعي إلى الحقيقة في ذاتها وقد اعترفت الذات بجهلها الخاص وكأنّما لحظة الدهشة تعيدنا إلى لحظة الصفر معرفيا كشرط ضروري لكلّ ذات تطمح إلى التفكير بنفسها وتطلب تحرّرا ورشدا وبذلك تكون المعرفة حسب أرسطو مبحثا حرّا أي بناء المعرفة في ذاتها وتأسيسها لحقيقة تحمل غاية ذاتها بدون المنفعة أو المصلحة. فبالمعرفة سعي إلى المطلق وإلى ما هو حقيقي في ذاته ومن هنا تنبين أن إيمان أرسطو بالمعرفة هو إيمان بقدرة العقل. يقول المسعدي” لذا هو يجعل إيمانه بالمعرفة إيمانا بقدرة العقل عليها… وإذا هو عند أرسطو طاليس فيض من العقل المحض” .[23].

 

ج/ السوفسطائيون : ” مدرسون متنقلون وجدوا في القرن الخامس وأوائل القرن الرابع قبل الميلاد في اليونان وكان مركزهم أثينا ويقال أن بروتاغواس وجورجياس بروديفوس وهبياس وانتيفون وتراتيما خوس وليقافرون وايزوقراطس كانوا الرعيل الأول للحركة السفسطائية” [24].

الحركة السفسطائية القديمة بدأت في القرن الخامس قبل الميلاد ثم في القرن الثاني قبل الميلاد، أحيا السفسطائيون أدب العقد الكلاسيكي وقاموا بتدريس البلاغة. إذا نتبين أنّ السفسطائيين لاعتقادهم أنّ الحقيقة نسبيّة واختلافية وتوجد في الإنسان نفسه. يقول بروتاغوراس ” الإنسان مقياس كل الشيء”. وأن على الإنسان أن يكون فاعلا في حاضره.

كما اتّهم السفسطائيون بإفساد الشباب وتضليلهم بإخفاء الحقيقة يقول المسعدي في مجلة المباحث: ” وقد تشكك كثير من فلاسفة اليونان وخاصة هؤلاء السفسطائيون الذين بخسهم الناس حظهم. قد ذهبوا إلى أنّه ينبغي قبل البحث في المعرفة البحث في هذه القوانين المنطقية التي يسير عليها العقل في تفكيره وتعرفه، والتي بها يمكنه الحكم والجزم أو الإنكار والدفع” [25]. اتجه السفسطائيون إلى البحث في القوانين المنطقية التي يسير عليها العقل لإنقاذه بردّه إلى ينبوعه الأصيل”[26].

المعرفة السفسطائية تمجّد العقل وترتقي به وتبين أنّه لا يخطئ أبدا وإن كلّ الحقائق مصدرها اللوغوس.

 

د/ الغزالي : هو الإمام أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي الملقب بحجة الإسلام ولد بقرية طوس من أعمال إقليم خراسان بفارس سنة 1057م وتوفي سنة 1111م[27]. درس علم الكلام على إمام الحرمين الجويني في نيسابور واعتنق المذهب السني الأشعري شك الغزالي في المحسوس والمتخيل ولم يثق بأي معرفة حسيّة لأن المعرفة الحسيّة تخدعنا ولا تكشف لنا عن المعرفة اليقينية بل إن الحواس في الظاهر تكشف عن معارف وعن أشياء بديهية يبطلها العقل بعد ذلك. شك الغزالي أيضا في العقل ونزع عنه القداسة التي منحها له بعض الفلاسفة باعتبار أن العقل في حالات المرض والنوم قد يخطئ ويتبيّن له الخطأ عندما يراجع العقل تلك الحقائق التي أكدها في البداية لكن هذا لا يعني أن الغزالي قد أنكر العقل نهائيا.

إذن بعد هذا الشك في الحواس وقي العقل انتهى الغزالي إلى ملكة معرفية هي الحدس يقول الغزالي ” ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر”[28]

وسمي شك الغزالي صوفيا لأنه يمكننا من رؤية الذات الإلهية، فالتصوف طريق إلى الكشف كشف المعرفة واليقين. يقول المسعدي في مجلة المباحث ” ويكاد ينغلق الكون عن فكرك ويتعطل عنك علمك فإذا أنت تقبل على الغزالي وحدسه.. إلا أن وراء العقل لبابا آخر وأن وراء هذه المعرفة الحاصلة بواسطة العقل القائم فيها العقل حائلا بيني وبين حقيقة الشيء لضربا آخر من المعرفة لا يتوسط فيها متوسط بيني وبين الحقائق ألا وهي معرفتي الشيء بالحدس” [29].

 

هـ/ ابن خلدون (1332-1406) لم يكن صوفيا مثل الغزالي ولم يعتمد التصوّف طريقا إلى الكشف، ولكنه خاض في مشكلة المعرفة مثل غيره من المفكرين والفلاسفة يقول المسعدي ” فأنت لا تستغرب أن تجد في المقدمة نظرية في المعرفة” [30].

اعتبر ابن خلدون أن العقل محدود في قدرته والعلمان اللذان يكشفان عن محدوديته هما علم الإلهيات وعلم الطبيعيات. العقل محدود وإذا خاض في مسائل ميتافيزيقية فإنه يطيع ويدخل في متاهات فكرية، خاصة في مجالي الإلهيات والطبيعيات لأنّه يعجز عن بلوغ اليقين. يحلل المسعدي فكر ابن خلدون فيقول ” فالعقل عاجز إذا هو خرج عن طوره الطبيعي لأنه محدود بطبعه، لم يهيأ إلا لدرك الأشياء ضمن نطاق المحسوسات[31]. فالمعرفة بالأساس عند ابن خلدون هي معرفة حسية تنطلق من ظواهر مرئية محسوسة يشاهدها الإنسان ثم يحللها انطلاقا من الواقع المحدود دون أن يتجاوز نطق العقل البشري.

ربط ابن خلدون السبب بمسببه من خلال عودته إلى الماضي حيث بحث عن الدوافع المؤدية إلى ذلك السبب كل هذا يمكنه من استقراء المستقبل والتعليل بالشواهد التاريخية.

أطلق على علم التاريخ علم العمران البشري وذلك في كتاب العبر المعروف “بالمقدمة” الذي بيّن فيه أن السلطة تقوم على العصبية والوازع، واعتبر أن الدولة القوية والمزدهرة هي التي يكون تنظيمها السياسي محكم وحذر من انغماس الدولة في الترف والبذخ والشهوات لأنّها تساهم في إضعاف الدولة شيئا فشيئا.

 

  • المعرفة مع المحدثين :

أ/ ديمارت (1596-1650) من الفلاسفة المحدثين اعتبر أن المعرفة ثلاثة أنواع : معرفة ميتافيزيقية، معرفة فيزيقية ومعرف علمية. وهذه المعارف الثلاث نجدها في شجرة المعرفة، هذه الشجرة جذورها الميتافيزيقا وجذعها الفيزيقا وفروعها مختلف العلوم. والمعرفة اليقينية في نظر ديكارت تكمن في المعرفة الرياضية لأنها علوم صحيحة اعتمد هذا المفكر والفيلسوف الشكّ المنهجي طريقا لإعادة النظر في المعارف الجاهزة بغية بلوغ اليقين.

يقول ديكارت ” لا أستطيع أن أشكّ في أنني أشك إذن أنا أفكر إذن أنا موجود”.

من خلال هذا الكوجيتو الديكارتي تبين أن الشك تفكير والتفكير وجود أما اليقين والحقيقة فهما يتحركان في ذلك الوجود.

يقول المسعدي ” المعرفة حسب ديكارت نور طبيعي قذفه الخالق في المخلوق” [32].

المعرفة بمثابة النور الفكري الذي ينير للإنسان السبيل لإدراك الحقيقة.

ب/ كانط (1724-1804) : إيمانؤيل كانط ولد بكونجسبرج في بروسيا الشرقية (ألمانيا الشرقية) يعتبر مشروعه الفلسفي ثورة كوبرنيكية أو ثورة معرفية الذات الإنسانية هي مصدر المعرفة وليس الأشياء.

نلاحظ أن فلسفته نقدية لأنه بيّن أنّ العقل يجب أن يخضع للنقد في كل مشاريعه وذلك لغاية المراجعة والغربلة وإخراج الحقيقي من الزائف لأنّ فلسفات ما قبل كانط سقطت في الخطأ المشترك وهو اشتغالها بإشكاليات ميتافيزيقية مثل أصل الكون، جوهر الأشياء، علاقة الجسد بالروح، إشكالية الحقيقة وحسب كانط فالعقل لا يكون مشرعا إلا برسم حدوده ومجالاته.

 

يقول المسعدي ” ولا تتقدم المسألة خطوة إلى أن يأتي كانط فيبسط البحث في ماهية المعرفة، ويحلل الفكر والعقل في تفكرهما وتعقلهما وتمكنهما من المعلومات ويصرف كانط المسألة عن كثير من خلط الفلاسفة قبله إلى عقدتهما الحقيقية” [33].

المعرفة حسب كانط هي تأليف بين العقل والتجربة وهذا العقل محدود ومعرفته ليست معرفة ممتدة، وهو يفكر في الأحداث والموجودات وفق مبدأ السببية.

يقول المسعدي : ” وينتهي الفيلسوف الألماني إلى نتيجة بسيطة ولكنها خطيرة مؤلمة : وهي أن المعرفة إنما هي إفراغ فكر الإنسان وقوالبه وقواعده على الموجودات فما بين الموجودات والأحداث أسباب ومسببات إلا لأن من بين قوانين العقل قانون السببية [34]

المعرفة إذن مع كانط حسية عقلية تقوم على التجربة يقول المسعدي عند تحليله لفكر كانط ” … فليس في إمكانه أن يعرف إلا ما تنطبق عليه هذه القوانين العقلية أعني المحسوسات الظاهرة” [35].

إذن منهج كانط نقديّ يمارسه على العقل لأن هناك أشياء ميتافيزيقية لا ندركها بالحسّ لكن يمكننا التفكير فيهلا كالنومين أو المعقول”. وحتى هذه المحسوسات المشاهدة فحقائقها وجوهر كيانها المطلق ووجودها من حيث هو وجود مجرد وما يسميه كانط ” النومين” فالعقل قاصر عن إدراكها. كانط قال بمحدودية العقل ويبرز ذلك في قولته ” لا تعطي للعقل أجنحة فإنه يضيع”، عكس أفلاطون الذي قال بامتداد العقل حيث بين أنه يمكنه درك المعاني الكلية السرمدية.

 

ج/ هنري بركسون (1809-1941) : هو فيلسوف فرنسي دافع عن الروحانية ضد المذاهب الوضعية المادية”3.

اعتبر أن الحدس يقودنا إلى معرفة مطلقة وقال بحرية الفعل الإنساني هذا الفعل الحرّ هو الدّافع للتطوّر وبذلك يكون الإنسان إنسانا صانعا الفلسفة مع بركسون هي اهتداء إلى المشكلة ومن ثمة طرح هذا المشكل المعرفي وليس حله.

د/ جول هنري بوانكاريه : فيلسوف فرنسي ولد سنة 1804 وتوفي سنة 1912 تأثر تأثرا كبيرا بالرياضيات وانتهج المنهج الرياضي الذي أخضعه للحدس لكي يبيّن أنّ الأعداد الصحيحة لا يمكن معرفتها بالحدس وأن مبدأ الاستقراء في الرياضيات له مبادئ ما قبلية تقوم على الحدس، تأثر بكانط وكان منهجه منطقي وضعي فهو يستند إلى ما تواضع عليه العلماء ” فهذا العلامة الفرنسي بوانكاريه يقول بأن أصول العالم وقوانينه إنما هي اتفاق ومواضعة..

وهذه النواميس التي نحسبها تسيطر عليها حقا إنّما هي من جنس القواعد التواضعية التي يتفق لاعبوا لعبة الشطرنج أو النرد مثالا أن يخضعوا لها” [36].

خاض العديد من الفلاسفة القدامى والمحدثين في مشكلة المعرفة، هذه المشكلة تعمق فيها “نيتشة” إلى حدّ الجنون وقد كانت فلسفته في البداية تشاؤمية حيث تأثر بشوبنهاور وبعد ذلك انقلب عليه واتجه إلى فلسفة الحياة نقدا للدّين والقيم الثقافية والحضارية السائدة يقول المسعدي” وذلك ما قد يفضي بالإنسان إلى هذه القساوة المميتة وهذا الصدق المرّ وهذه الأمانة القاتلة التي كادت تؤدي بعارف صادق العزم على المعرفة ثابت إلا وهو نيتشة” [37].

وهناك ما لم يتعمّق في مشكلة المعرفة واقتنع بمحدودية العقل لأنّه لا يمكنه أن يخوض في أمور ميتافيزيقية ماورائية بل للعقل حدود ولكن رغم إقرار بعض الفلاسفة بمحدودية العقل إلاّ أنّهم لم ينكروا قدرته في المعرفة ولم ينكروا مصداقيته.

هذه الاختلافات في تحديد المعرفة توّلد إشكالا، هذا الإشكال يعبر عن حيرة المفكرين والفلاسفة وعجزهم. ” فهل رأيت قطّ شيئا أدعى من شأن الإنسان في حياته والكون إلى الحيرة والقنوط واليأس وإلى البحث عن سبيل النجاة من قسوة هذه المنزلة العجز” [38].

إذا بينت مشكلة المعرفة عن أبرز الفلاسفة الذين تعرض إليهم المسعدي مع شيء من التفصيل ولاحظت أن هناك من قدس العقل واعتبره طريقا للمعرفة هناك من شك في العقل وسطر حدود معرفته، هناك من قال إن النفس مصدر المعرفة لا العقل واستنتجت أن تقسيم المسعدي ليس تقسيما زمنيا هو تقسيم فكري. كيف ذلك؟

 

  • مشكلة المعرفة عند الفلاسفة حسب انتماءاتهم الفكرية لا الزمانية :

صنّف المسعدي الفلاسفة والحكماء تصنيفا فكريا وليس تصنيفا زمنيا ” مشكلة المعرفة في حكمة القدماء وفلسفة المحدثين” عندما نفكر في قضية التصنيف هذه نتبين أن هناك قدماء أفكارهم محدثة صالحة لمقالات وخطابات راهنة.

ابن خلدون مثلا ينتسب بأسلوبه ومنهجه إلى العصر الحديث ففي مجال السياسة عبّر عن الفكرة الدستورية التي كانت حاضرة في فكره وعبر عنها بلغة عصره. اقتبس من الحضارة الإسلامية مفهوم الشرع ومن الحضارة المعاصرة مفهوم القانون. فالسياسة الإسلامية تستند إلى الشّرع والسياسة المدنية تستند إلى العقل ومن هنا نتبيّن أن فكر ابن خلدون يرتقي إلى الكونية العالمية لا المحلية.

 

تفكير ابن خلدون في نظري يقترب كثيرا من تفكير كانط وبوانكاري رغم أن ابن خلدون ينتمي إلى العصور الوسطى وكانط وبوانكاري ينتميان إلى العصر الحديث. لذلك فتقسيم المسعدي لفلاسفة ليس تقسيما زمنيا بل فكريا لأنّه لو كان الترتيب تاريخيا لما جمع في المقالة بين ابن خلدون وكانط وبروانكاري كما جمع بين أفلاطون والغزالي وبرجسون.

يقول المسعدي ” هل الحق في جانب ابن خلدون وكانط وبوانكاري أم هو في جانب أفلاطون والغزالي وبرجسون” [39].

ابن خلدون يقترب من كانط وبوانكاري في معالجة مشكلة المعرفة لأن العقل حسب رأيهم له حدود ولا يمكنه الخوض في أمور ميتافيزيقية ولكنهم في مقابل ذلك لم ينكروا العقل الذي يتمتع بالمصداقية والدقة عندما يعالج الأمور الواقعية التي لا تخرج عن حدود الزمان والمكان. ولمزيد الدقة في معالجة مشكلة المعرفة ربط كل من كانط وابن خلدون وبوانكاري الأسباب بمسبباتها فكان منهجهم علميا. افلاطون كذلك بالرغم من أنّه من الفلاسفة اليونانيين القدامى فإنّ المسعدي قد تأثر بفلسفته والّتي نجد صداها في فكرة الوجودي يقول المسعدي ” الأدب مأساة أو لا يكون… مأساة الإنسان يتردّد بين الإلوهية والحيوانية” [40].

الإنسان حسب المسعدي يتوق دائما إلى عالم الروحانيات وإلى عالم المثل وغايته في ذلك الارتقاء والسموّ بنفسه وروحه التي تحنّ إلى المدينة الفاضلة التي نظّر لها أفلاطون لكن سرعان ما تشده الدنيا إليها وتهوي به إلى العالم المدنس الفاسد، عالم الموت والفناء، هذه هي مأساة الإنسان فالمسعدي بالرغم من أنه مفكر معاصر إلا أنه تأثر بأفلاطون، كذلك برجسون رغم أنه فيلسوف ومفكر ينتمي إلى العصر الحديث إلا أننا نجد تشابها بين فكره وفكر الغزالي وأفلاطون فكلهم يقولون بالمعرفة المطلقة ويخوضون في أمور ميتافيزيقية. وبرجسون مثل الغزالي يعتبر الحدس منهجا وطريقا للمعرفة المطلقة اللامحدودة. ولكن لم تكن معرفة برجسون لغاية لاهوتية كما عند الغزالي.

نلاحظ أن برجسون وأفلاطون والعزالي يقولون بامتداد العقل فهو متناه ومعارفه مطلقة تمتدّ إلى ما وراء الطبيعة لذلك قاموا بتقديسه وإحلاله مرتبة عليا وهي مرتبة الإلوهية. فالإنسان في نظر المسعدي يتردّد بين الإلوهية والحيوانية وهذه الخلفية نجدها عند الغزالي الذي حاول أن يخلّص الإنسان من حيوانيته عن طريق الشك وهذا الشك انتهى بالغزالي إلى كشف الذّات الإلهية.

نستنتج أن المعارف تتعارض وتختلف من فيلسوف إلى آخر وقد تلتقي أحيانا وهذا الاختلاف ضروري لإدراك الحقيقة وهذا ما جعل المسعدي يلملم أفكار القدامى والمحدثين فكان فكره مزيحا من ثقافة

وجودية وثقافة صوفية تزعمها الغزالي وتبرز هذه الازدواجية في الثقافة خاصة في مقال المعرفة عند الغزالي.

 

  • المسعدي ومشكلة المعرفة عند الغزالي :

لماذا خصّص المسعدي مقالا للغزالي؟

طرحت هذا السؤال لأبين أن توق المسعدي إلى الروحانيات في المسافر وحديث القيامة والسندباد والطهارة هو الذي جعله يخصص للغزالي مقالا في مجلة المباحث بعنوان ” مشكلة المعرفة عند الغزالي”. وذلك لكي يبرز عجز الإنسان الذي يتوق دائما إلى الوجود المطلق وإلى عالم اللاهوت.

أراد المسعدي من خلال هذا المقال أن يبيّن للمفكر وللباحث أن طلب المعرفة ليس يسيرا أو هينا بل أنّ المعرفة رحلة شاقة في عوالم الفكر وباطن النفس وهذه الرحلة المضنية يتكبدها المفكر الذي تعترضه عدة شدائد تعوقه عن إدراك الحقائق كالضياع والحيرة والتيه”. هو الغزالي يفني العمر في طلب الحقيقة ويتوه السنين الطويلة في أوساع الفكر وخلاء النفس ويجد المرارة والحيرة والظمأ ويتردد بين القحط والماء والثقة والشك… ويخرج الغزالي إلى صحاري الأرض والفكر ويطول التيه والظمأ والحوس” [41].

اعتمد الغزالي الشك لينتهي إلى الحدس منهجا لمعالجة مشكلة المعرفة ولكن الحدس ليس طريقا للمعرفة عند مفكرين آخرين، اعتبروا العقل أساس المعرفة وأعطوا القيمة كلا القيمة للعقل وهناك من المفكرين من أخضعوا المعرفة إلى منهج علمي له قوانينه التي يحدّدها العقل اللامتناهي. وهناك من لا يؤمن بالمنهج العلمي وقوانينه القائم على مبدأ التجزئة ” لو أنك أعطيت الرجل قطعة قطعة من شاة لما حصلت عنده الشاة بل حصلت عنده جثة الشاة” [42]. يبيّن المسعدي أن العزالي اكتشف المعرفة الحق التي تكمن في المعرفة الإلهية لكي لا تنحدر النفس إلى هوة عالم الشهوات والنزوات العاطفية ولكي لا يدخل العقل في متاهات كاذبة. يقول ” وإنما هي أعاصير الحياة تزف بنا زفا والعواطف تهزنا هزا والشهوات تلذ وتطمح ومآسي الفكر يكذب نفسه بنفسه” [43].

إذا الغزالي انتهى بحدسه إلى المعرفة الحق معرفة الإله ليصل في الأخير إلى لحظة الكشف والحلول يقول المسعدي ” من  وجه الحدس يوقع في نفسك الحق ويكشف لك كشفا ويصلك به مباشرة… وإنارة سبيلك بنور قذفه الله تعالى في صدرك” [44].

خلّص العزالي العقل من الأحكام السابقة ومن كلّ تقليد واعتمد الزهد طريقا للنجاة يقول ” وقد نجا الغزالي بعد اليأس وأنجى الإنسان… من وجه إطلاقك من حدود عقلك وفتح نفسك وتوسيع قلبك وإنارة سبيلك بنور يقذفه الله تعالى في صدرك” [45].

 

إذا بيّن لنا المسعدي من خلال هذه المقالة أسس المعرفة عند الغزالي التي تقوم على الشك ولكن عندما تتبعنا شك الغزالي لاحظنا أنه شك غير فلسفي لماذا هو ليس فلسفيا؟ لأنه في نظري يحمل غاية هو ليس شكا فلسفيا بل هو شك لغاية لاهوتية بحتة وسأبيّن ذلك أكثر عندما أقارن بين الغزالي وغيره من الفلاسفة.

 

/II المقارنة بين الغزالي وغيره من الفلاسفة والمفكرين :

  • الفرق بين الغزالي وديكارت :

الشك الديكارتي ليس نفسه الشك الصوفي عند الغزالي لأن شك ديكارت منهجي وليس شكا صوفيا غايته بناء معرفة لاهوتية على الطريقة الصوفية بل هو عملية إجرائية لإعادة النظر في المعرفة الجاهزة ثم التأسيس لإنسانية الإنسان عبر التفكير الذاتي فانتقل بذلك السؤال حول الوجود الحقيقي إلى السؤال المعرفي ما هو المنهج الكفيل لتأسيس حقيقة أولى يقينية وهذا السؤال المعرفي يشير إلى أن حقيقة الإنسان عند ديكارت تكمن في كونه ذاتا عارفة ومن هنا نلاحظ أن اليقين الديكارتي هو سقوط في الدغمائية وفي الضياع الذي حذر منه الغزالي ولتجاوز هذا الضياع المعرفي اعتمد الغزالي الحدث طريقا للكشف وليس العقل لكن سواء كان الحدس أو العقل فكلاهما يشتركان في الإرادة المطلقة للمعرفة لمعرفة الحقيقة.

كما أن كلاهما شك في المعارف الحسية ثم المعارف العقلية الأولية ثم شكا في الواقع المطلق ” والبناء الأساسي لحركة الشك عند الغزالي وديكارت واحد”  [46].

  • الفرق بين الغزالي وبرجسون :

مشكلة المعرفة عند الغزالي ليست نفسها عند برجسون رغم أن كل منهما اعتمد الحدس طريقا للمعرفة لكن الغزالي شك في المحسوس ليصل إلى الحدس الذي كان طريقا للكشف وبرجسون اعتبر الحدس غريزة تطورت فنشأ الوعي المطلق وليس رؤية الذات الإلهية كما عند الغزالي. ويلتقي برجسون مع الغزالي في أنهما اعتمدا الحدس طريقا للمعرفة لا العقل لأن العقل لا يمكنه إدراك المعرفة المطلقة الخالصة.

 

  • الفرق بين الغزالي والفلسفة السفسطائية :

السفسطائية قامت فلسفتها على اعتبار الإنسان مصدر المعرفة والحقيقة والقيم فبالنسبة إليهم كان الإنسان مقياس كل شيء ولم يشكوا قطعا في العقل أو في الحواس وأعطوا القيمة كل القيمة للإنسان وأحلوه محل الإله لكن الغزالي اعتمد الشك لكي يحدّ من الحواس ومن العقل وينتهي بنا إلى الحدس الذي يسهّل طريق الكشف.

  • الفرق بين الغزالي والفلسفة الريبيّة :

الشك الريبي نسبة إلى الربيين وهو تيار فلسفي يوناني أنكر وجود الحقيقة وبالتالي أنكر إمكانية بناء أي قول حول الحقيقة ولذلك كان شكا من أجل الشك فقط وهو ما يسمى بالشك الهدام لأنه يصل إلى هدم الفلسفة ذاتها لا إلى بناء المعرفة. الشك عند الغزالي ينتهي إلى معرفة الذات الإلهية.

  • ما رأينا في شكّ الغزالي ؟

بالرغم من أن شك الغزالي ليس شكا فلسفيا بل هو شك له غايات لاهوتية فإن هذا المتصوّف في نظرنا يظل مفكرا وأفكاره تظل صالحة للأزمنة الحديثة تدعم الفكر الراهن في معالجته لقضايا وجوده وهذا ما نتبيّنه في تفكير المسعدي الذي عالج من خلال فكر الغزالي قضايا وجوديّة. كذلك دافيد هيوم (1711-1776) الذي نجده قريبا من الغزالي في تفكيره واعتبر أن الحواس تخدعنا كما أن العقل محدود ولا يمكنه أن يكون مصدر معرفة يقينية خاصّة في الأمور الميتافيزيقية فالأداة المعرفية الحقيقية هي الخيال. لكن الخيال لا يمكن أن يكون السبيل الحقيقي لإدراك المعرفة وبنائها لأنّه شيء مجرد قائم على الوهم.

 

المبحـــث الثالث

“جدلية المعرفة والتّقدّم”  عند المسعدي

 

تمهيد :

إنّ جدلية المعرفة والتقدم حاضرة تقريبا في أغلب نصوص المسعدي ومقالاته الواردة في مجلة المباحث وهذه الجدلية أراد المسعدي أن يبيّن من خلالها مشكلة الوجود والزمن. هذه المشكلة تقف حاجزا أمام تقدّم الإنسان وازدهاره، لذلك أكّد المسعدي على ضرورة البحث عن قيم جديدة وأسس ثقافية ومعرفية مستحدثة تساهم في تقدّم المجتمع وازدهاره والارتقاء به إلى الكمال الإنساني.

المعرفة والتقدّم مفهومين رئيسيين في نصوص المسعدي فلا تقدّم بدون معرفة ولا معرفة بدون تقدم. فبالمعرفة يرتقي الإنسان بفكره ويخوض في مشاغل وجوده التي تزعزع كيانه دائما كمشكلة الزمن التي أقلقت كثيرا الإنسان لأن الزمن يؤثر كثيرا في حياته ووجوده وصراع الإنسان مع الزمن هو صراع بين الموت والحياة، بين الخلود والفناء. هو صراع تاريخي يتزعّمه جيل متخلف وآخر يسعى إلى التقدّم من خلال معرفة مكتسبة.

وهنا تبرز جدلية المعرفة والتقدم التي نجدها تقريبا في كل مقالات المسعدي ونصوصه التي نشرت في مجلة المباحث.

/I جدلية المعرفة والتقدم في نصوص المسعدي :

  • جدلية المعرفة والتقدم في نص ” مولد النسيان” :

تأثر المسعدي بسارتر، كامو، هايدقير وشوبنهاور وهؤلاء مثلوا التيار الوجودي الحديث والمعاصر هذا التيار كان له صدى في فكر المسعدي التقدّمي وفي لغته الأدبية التي حاول من خلالها معالجة قضايا راهنة. ففي “مولد النسيان” مثلا حاول “مدين” أن يحقق الخلود للإنسان وأن يتحدّى بعلمه عالم الموت والفناء ويجعل من ذلك الإنسان إلها بعلمه واكتشافاته. أراد أن يحوّل الحياة إلى سعادة أبديّة من خلال عقار صنعه، يقول المسعدي في ” مولد النسيان ” : ” قتل الموت لأنّ الأبد واجب والحياة”. [47]

ولكن مدين فشل بعلمه وكان مصيره الفناء رغم أنّ ليلى قد حذّرته من صنع هذا العقار وحثته على الاكتفاء بمعالجة المرض والرّضاء بالموجود والاقتناع بالموت. يقول المسعدي في المباحث ” قالت إنّي ميتة يا مدين قد ذهبت الخفّة من يدي والليل وانتفت عنّي الصّفات…حدّثني عن الأمل مات بموت المادة وخلف الباطل الرّوح” [48].

 

 

تبرز جدلية المعرفة والتقدم في كون مدين عالما يمتلك المعرفة وهذه المعرفة يستخدمها لكسر القيود الفكرية وخلق عالم جديد وحياة جديدة مسايرة لحركة التقدّم والتحديث مبنيّة على الفعل الإنساني. ومن خلال شخصية مدين أراد المسعدي أن يكشف الراهن التونسي خصوصا والشرقي عموما. فالإنسان التونسي أو الشرقي يجب أن يخرج عن المألوف والسّائد ويثور على وضعه الاجتماعي والثقافي والفكري ويخوض بمعرفته في مسألة وجوده يؤمن بواجبه وبمسؤوليته ويؤسس لحرّيته لأنّ الفعل الحرّ والمسؤول هدفه الأساسي الرّقي بالإنسان ومسايرة حركة التقدّم التي سار عليها الغرب. إنّ “مدين” في ” مولد النسيان” يرمز إلى المفكر العربي الذي يختار مصيره منذ البداية، يؤمن بالفعل حتى وإن فشل هذا الفعل فإنّه يظلّ إنسانا صانعا على حدّ تعبير بريكسون. المهمّ الفعل والاختيار الشخصي المسؤول ولا يهمّ النتائج ” ليس الفعل انهزاما الانهزام مطاوعة والفشل خاتمة للصّراع طبيعية فهي بشرية” [49].

هذه هي مأساة الإنسان شوق وحنين إلى المطلق من خلال كسر قيود الزمان والمكان للرّقيّ إلى الكمال الإنساني وتحقيق التقدّم في جميع المستويات الفكرية والحضارية والاقتصادية والسياسية.

 

2) جدلية المعرفة والتّقدّم في حديث القيامة :

أبو هريرة شخصية محورية في هذا النصّ، عشق الخمرة والجنس والطّعام، عالمه هو عالم الشّهوة والنزوات عالم حسّي. تجربته الحسيّة جعلته يطوّر معارفه فيشكّ في تجاربه الحسيّة ويدرك أنّه لا يستطيع بالمنهج الحسّي أن ينحت كيانه ويكتشف المعرفة الحقيقية فسعى إلى التمرّد على قيم المجتمع الشرقي القائم على الشّهوة وانطلق محلّقا لاكتشاف المعرفة الحقيقية المبنية على الفعل والانعتاق من التقليد ومن عالم الشهوة والنزوة التي تمثلها ريحانة. كان أبو هريرة في كل مرحلة من مراحل حياته يتدرّج في معارفه فتحوّل إلى مرشد مالك للحقيقة لكنّه فشل في مهمّته فلم يستطع أن ينشر الوعي والمعرفة ولم يستطع أن يخلّص المجتمع من جهله وتخلّفه وقناعاته الموروثة، كلّ هذه العراقيل تعوق التقدّم.

أبو هريرة إذا رمز للمثقف الحائر الشّاك في عقيدته وفي دينه وعاداته وتقليده بعد أن كان مقتنعا بهذه العقيدة وأراد بشكّه أن يؤسس معرفة جديدة تساير التقدّم الإنساني.

أبو هريرة قال عنه توفيق بكار بأنه “كائن شديد الغرابة يمتزج فيه الصّوفيّ بالمغامر يهيم باللانهاية كعشاق الحق قديما وله وجدهم يحبّ المجازفة كهواة المخاطر في العصر” [50].

 

 

3) جدلية المعرفة والتقدّم في نصّ “المسافر” : يبرز المسعدي في نص المسافر مجاهدة الرجل الشرقي ومكابدته في نشر المعرفة من خلال نقده لفلسفة الشرق وتصوّراته “كذا ألحان موسيقى الشرق وكذا لخطوط نقوشه راجعة عودا على بدء ولا حركة ولا تحول ولا انتقال”  [51].

السفر هو سفر في عوالم الفكر والمعرفة بحثا عن مقوّمات التحديث وطرق التقدم، أليس المسافر هو المسعدي الذي تشبّع بثقافة الغرب ومعرفته عندما درس بجامعة الصوربون سافر إلى فرنسا تأثر بسارتر وعاد إلى تونس محاولا أن يرتقي بالمجتمع التونسي الذي كان يتخبط في التخلّف والجهل والخصاصة إلى جانب تسلّط المستعمر “وحتى طمأنينة التونسي لا يحتار ولا يتكدّر ولا يألم لعالم تزعزعه الحروب والانقلابات” [52].

مأساة الإنسان الشرقي عموما والمثقف خصوصا هو هذا العجز الذي يكمن فيه وتمرّده إنما هو تمرّد على عجزه وواقعه التاريخي والسياسي والاقتصادي هذا التمرّد هو الذي سيولّد ثورة فكرية ومعرفية مواكبة لحركة التقدم. مشكلة المسعدي هي مشكلة الوجود والزمان والفعل الذي يقوم به المسافر هو صراع الإنسان مع الزمن ومع الوجود وهنا تكمن المأساة. أليست المأساة هي الوجودية والوجودية هي المأساة على حدّ تعبير المسعدي الذي تبنّى هذا الموقف المعرفي.

 

4)جدلية المعرفة والتقدّم في نصّ “السندباد والطّهارة” :

السندباد هو بطل الأسفار والمغامرات في ألف ليلة وليلة، الطهارة هي تطهير الإنسان من حيوانيته والارتقاء به إلى الألوهية، اختار المسعدي شخصية السندباد المغامر وهذا ليس من سبيل الصدفة والاتفاق وإنّما ليرمز به إلى المثقف العربي المغامر في عوالم الفكر والمعرفة باحثا عن الحقيقة وهي مرحلة صعبة فيها مخاطر جمّة هي المخاطر التي تعوق عن كشف الحقائق المعرفيّة كما تعوق الإنسان عن الارتقاء إلى الألوهية حيث يكون الإنسان إنسانا فاعلا ويتخلّص من حيوانيته “سار مسرعا في سبيل الهبوب حتى دفع إلى بطحاء المرسى تتزاحم فيها الأكداس ظلام من العدائل” [53]. أراد المسعدي في هذا النص أن يتخفى وراء شخصيّة خرافية شعبية قديمة هي شخصية السندباد، التاجر المغامر الذي يرتحل للحصول على قوته. اختار المسعدي شخصية السندباد ليعبّر عن معان وجودية، يقول خالد الغريبي ” لتعبّر عن معان وجودية وتأمّلات في الذّات والحياة تتجاوز ماهو كائن، راكد، عفن، موقوت، قلق إلى ما ينبغي أن يكون في عالم المطق والطهارة والنقاوة” [54]، فالسندباد هو المسعدي الباحث عن معرفة يقينية في ذهنه وفي حياته ومجتمعه وفي وجوده وما وراء وجوده ” ولكنك خيّرت بين النساء والمعرفة والناس والطهارة فاخترت” [55].

حاول السندباد بمعرفته تطهير الفكر الإنساني والارتقاء به لتحقيق التقدّم واللحاق بالغرب ” فلوى وجرّ جرابه وشقّ الحانة، ثمّ خرج إلى الليل يقول كذا الخيل إلى ما وراء الحياة إلى الظّهر… وكانت آخر سفراته واحتوته طهارة الأعماق” [56]. جلّ شخصيات هذه النصوص مؤمنة بالفعل والخلق وهي شخصيات مأسوية متمرّدة على الواقع وعلى الآلهة. فالإنسان بمعرفته يسعى إلى الخلق والإبداع وإضفاء شيء من ذاته على هذا الكون فيكون إلها بمعنى مجازي، قيمة الفعل أكد عليها سارتر في فلسفته الوجودية حيث قال “الإنسان هو ما يفعل” [57].

المسعدي وإذا من خلال جدلية المعرفة والتقدّم عبر عن رغبة في الخلق والتجديد والمعرفة عند المسعدي تقوم على مصدرين، مصدر قديم من خلال ثقافة الشرق المتمثلة في القصص الشعبية والخرافية كنص السندباد والطهارة مثلا كما تأثر المسعدي بأدباء قدامى ومفكرين سبقوه في الزمن كأبي العتاهية وكأبي حيان التوحيدي كما تأثر بنظرية أفلاطون في المعرفة وكذلك الغزالي والمصدر الحديث يكمن في الفلسفة الوجودية المعاصرة التي تأثر بها المسعدي تأثرا بالغا.

هذا المزج بين مصدرين من المعرفة غايته الدعوة إلى مراجعة إيديولوجيات الشرق ومعارفه والاستفادة من ثقافة الغرب وفلسفته هذه الفلسفة التي تؤمن بالفعل الإنسان الحرّ الذي يرتقي بالإنسان ويدفعه إلى التقدّم من خلال جدلية المعرفة والتقدم أراد المسعدي أن يبعث إنسانا عربيا جديدا يشعر بمسؤولية وجوده وحدود طاقاته المعرفية فيكون إنسانا فاعلا يغزو بمعرفته الطبيعة ويسيطر عليها ويستخدمها لأغراض “فتكون مسيرته مسيرة الكائن يضطلع بمسؤولية وجوده، محققا ذاته أولا من خلال إبراز طاقاته الكامنة وإخراجها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل” [58]

مقالات المسعدي ونصوصه في مجلة المباحث تكشف عن تدرّج في المعرفة أي من المعرفة المحدودة إلى المعرفة المطلقة وهذا التدرج في المعرفة يسعى من خلاله الإنسان إلى تحقيق التقدم الذي يطمح إليه.

الارتقاء في المعرفة هو مطلب متجدد ورغبة متواصلة ينشدها المثقف العربي الذي يعيش مأساة وجوده من خلال جملة من التجارب الفكرية والحسية والوجدانية. في ظل هذه الجدلية بين المعرفة والتقدم نطرح السؤال التالي : ما أثر مفهوم التقدم في المستوى المعرفي؟

 

/II أثر مفهوم التقدم في المستوى المعرفي :

مفهوم التقدم مفهوم رئيسي في الفكر المعاصر، فهو يمثل الهدف أي غاية الإنسان الغربي عموما والشرقي على وجه الخصوص.

هذا المفهوم كان له أثر في المستوى المعرفي للإنسان لأنّ التقدّم يجعل الإنسان في بحث دائم وفي تسآل متواصل فيطرح عدّة أسئلة من قبيل لماذا لا أغيّر من وضعي؟ لماذا لا أصل إلى مرتبة أرقى في الفكر الإنساني؟ لماذا لا أتقدّم؟

كل هذه الأسئلة وغيرها لها دور كبير في تطوير المستوى المعرفي والرقيّ به وتطوّر هذه المعرفة تكون في مختلف الميادين ومختلف الاختصاصات : تكنولوجية، علميّة، فلسفيّة، أدبيّة، اجتماعيّة سياسيّة. إذا أثر مفهوم التقدّم هو خلق معارف مختلفة، لها مستويات متفاوتة تتكامل فيما بينها لبلوغ الحقيقة حتى وإن كانت نسبيّة فهي تخدم الفكر الإنساني في مختلف أطواره ومراحله.

 

الفصــل الثالث : النّقــد والتّقويم

النقد والتقويم

 

عالج المسعدي مشكلة التقدم في مجلة المباحث لكي ينهض بالمجتمع الشرقي المستلب الرّازح تحت قوانين مجتمعه وعاداته الباليّة. وحاول من خلال جملة من المقالات والنصوص أن يرتقي بالحضارة الشرقيّة عموما والتونسيّة خصوصا مستلهما من الثقافة الغربيّة حينا ومن الثقافة الشرقيّة الكلاسيكيّة القديمة حينا آخر فكانت نصوصه ومقالاته ملتقى أصوات عديدة فلسفة وجوديّة ملحمة مثلها شوبنهاور وسارتر مؤمنة بالفعل البشري الذي يرتقي به ليجعله إلها. وفلسفة وجوديّة مؤمنة مثلها المسعدي الذي “أسلمت الوجوديّة على يديه” على حد تعبير طه حسين. بالإضافة إلى أصوات يونانيّة قديمة كأفلاطون الذي تأثر به كثيرا عندما عالج مشكلة المعرفة وأصوات عربيّة شرقيّة إسلاميّة كالغزالي وأبي العتاهيّة.

إذا تداخل الأصوات في نصوص المسعدي ومقالاته جعلت هذه النصوص والمقالات تتسّم بالالتباس والضبّابيّة، وجوديّة ملحدة ومسلمة، فلسفة معاصرة وفلسفة يونانيّة قديمة.

طغيان الرّمزية والتّجريد في نصوصه تدلّ على ضبابيّة شخصيّة المسعدي الممزّقة بين الغرب والشرق. “بقي موزّعا بين غرب وشرق بين أصالة ومعاصرة” [59].

أعجب المسعدي كثيرا بالغزالي وبفلسفته الصوفيّة، هذه الفلسفة التي كانت لها صدى في فكر المسعدي حيث مكنّته من معالجة مشكلة الوجود.

ولكن عندما طرح المسعدي المسائل الوجوديّة ركّز على الفرد إلى درجة تشييئه وجعله محور الفلسفة بقطع النظر عن محيطه ومجتمعه وبيئته وحضارته.

“ففي حين تحاول هذه الفلسفة أن تؤسس محورها الإنسان تلغي إنسانيته بأن تدخله في نظام الأشياء وتحيله إلى أنا جامد بعزله عن المجتمع وعن سياقه التاريخي” [60].

كما أنّ المسعدي وقع في النزعة التأمليّة الخالصة في معظم نصوصه وكان من الأجدر به أن يعالج مشاكل التخلّف والتبعيّة والتدهور والانحطاط الاقتصادي القائم على النظام الإقطاعي التقليدي في تلك الفترة التي عانت فيها تونس كثيرا، كما كان عليه أن ينزل بأيديه من التأمّل إلى عرض مشاكل المجتمع التونسي قصد معالجتها لا أن يكتفي بالرّمز الذي لا يمكن للإنسان البسيط فهمه وتفكيك أبعاده.

 

كما كان من الأجدر بالمسعدي أيضا أن يتعرّض إلى أثر التقدم في المستويات المعرفيّة، لأنّ التقدّم هو المحور الذي تدور حوله كلّ المعارف، وتفكيكه لكل معرفة وأبعادها مع الوقوف موقف النقد لهذه المعارف حتى نتبيّن إن كانت قابلة للتطوير وخدمة التقدّم، لكنّ المسعدي وقع في التجريد وفي الترميز في أغلب مقالاته ولم يذكر السبيل المؤدي إلى التقدّم وآليات التطوّر نحو الأفضل، أيكون ذلك بالرجوع إلى الأصول العربية الإسلامية أم بالأخذ عن مناهج الغرب الذي شهد الرقيّ والازدهار؟

وفي نهاية هذا النقد أريد أن أبيّن فكرة أساسيّة تتمثل في أن التقدم بقي مفهوما قائما في الذهن، بقي فكرة العالم العربي فلم يقدّم له شيئا.

إذا التقدم لم يقدم للعالم العربي شيئا بالعكس نحن نتقدّم نحو الأسوإ بينما العالم الغربي يتقدّم نحو الأفضل هناك انهيار وتدهور حضاري شمل العالم العربي الذي لم يجد إلى يومنا هذا الأسس الثابتة والمرتكزات الصلبة للتقدم. مثلا البلاد العربيّة اليوم كمثل رجل فقد ذاكرته وتاه في الصحراء ضلّ سبيله وأصبح يعيش خارج التاريخ وخارج المفاهيم المعاصرة التي مازالت إلى يومنا هذا تمثل إشكالا كمفهوم التقدّم والتمدن.

هذه المفاهيم تجاوزتها البلدان الغربية من الفهم والتنظير إلى الممارسة، ممارسة تجليات التقدم الذي شمل مختلف المستويات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية بينما يبقى هذا المفهوم ضبابيّا في العالم العربي حتى وإن فهمه بعض المفكرين وفسره فإنه لا يرتقي إلى مستوى الفعل والممارسة والتطبيق بل يبقى التقدم في مستوى التنظير ويظلّ شعارا من شعارات المثقف العربي الذي يلتفت دائما إلى الوراء ويحنّ إلى أزمنة التطوّر والرقي الحضاري التي شهدها العالم العربي الإسلامي في فترة من الفترات.

الخاتمة :

نستخلص أن المسعدي لم يكن أديبا فحسب بل كان مفكرا ومناضلا في مجال الفكر من أجل البحث عن الحقائق لتحقيق التقدم لمجتمعه كما حارب الظلم والقهر الذي مثله الاستعمار الفرنسي لبناء حضارة إنسانية خالدة معتمدا الرمزية والتجريد في نصوصه ومقالاته.

ونلاحظ أن المسعدي جمع بين ثقافتين فلسفة وجوديّة حديثة وفلسفة عربيّة إسلامية لكي يبيّن لنا ولو بطريقة تأمليّة المنهج المؤدي إلى التقدّم وعلى المفكّر والباحث أن يتأمّل هذا المنهج وعلى ضوئه يمكن أن نستخرج المنهج الكفيل للتقدّم.

 

قائمة المصادر والمراجع

المصادر :

المسعدي (محمود) : مجلة المباحث 1944، 1945، 1946

المسعدي (محمود) : تأصيلا لكيان نشر وتوزيع مؤسسات عبد الكريم بن عبد الله تونس.

المسعدي (محمود) : مولد النسيان الدّار التونسية للنشر، 1984م.

المسعدي (محمود) : حدّث أبو هريرة قال، الدّار التونسية للنشر.

 

المراجع :

  • بدوي (عبد الرحمان)، الإنسان والوجودية في الفكر العربي دار القلم بيروت لبنان).
  • التهانوي، مصطلحات العلوم الإسلامية.
  • الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطوّر الفكر العلمي، الفصل السادس، بيروت 1998.
  • جبر، فريد، موسوعة مصطلحات علم المنطق، مكبة لبنان.
  • حنفي عبد المنعم، الموسوعة الفلسفية.
  • زياد معن، الموسوعة الفلسفية العربية.
  • زقزوق (محمود حمدي) “المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت”.
  • سعيد جلال الدين، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر.
  • سلامة (عبد الحميد)، محمد البشروش حياته وآثاره، دار الجنوب للنشر.
  • عمران، كمال، الإنسان ومصيره في الأدب العربي الحديث، الدّار التّونسية للنشر.
  • الغربي، خالد، جدلية الأصالة والمعاصرة عند المسعدي، منشورات كلية الآداب منوبة 1998.
  • الغزالي، المنقذ من الظلال.
  • المنجد في اللّغة والأعلام، دار المشرق بيروت.
  • المطوي، محمد العروسي، دائرة المعارف التّونسية.
  • ابن منظور، لسان العرب.

المراجع بالفرنسية :

Paul Robert, le petit Robert Paris.

 

الهوامش والحالات: 

[1] أنظر عبد الحميد سلامة محمد البشروش حياته وآثاره ص 45

[2] نفس المرجع ص 46

 [3] نفس المرجع ص 47 

[4]  عبد الحميد سلامة، محمد البشروش حياته وآثاره ص 23-24.

[5]  انظر محمد العروسي المطوي دائرة المعارف التونسية

[6]  أنظر ابن منظور،  لسان العرب، باب القاف

 أنظر ابن منظور، لسان العرب، باب القاف  [7]

 التهانوي، مصطلحات العلوم الإسلامية  [8]

[9]   انظر جميل صليبا المعجم الفلسفي

[10]   نفس المرجع السابق

[11]  انظر أحمد زكي بدوي، معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية.

[12]  انظر سهيل إدريس، المنهل.

[13]  VOIR PAUL ROBERT, LE PETIT ROBERT

[14]  الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعارة وتطور الفكر العلمي، ص. 358.

[15]  انظر، المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق وبيروت.

[16]  انظر، معن زيادة : الموسوعة الفلسفية الغربيّة.

[17]  انظر فريد جبر، رفيق العجم، سميح دغيّم، جبرا جهامي موسوعة مصطلحات علم النطق مكتبة لبنان

[18]  انظر جلال الدين سعيد، مفاتيح معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية العربية، ص. 433.

[19]  انظر المسعدي، مجلة المباحث، عدد 12، سنة 1945م.

[20]  انظر معن زيادة، الموسوعة الفلسفيّة العربيّة.

[21]  انظر محمود المسعدي، مجلة المباحث، العدد 1 ، 10 أفريل 1944م.

[22]  المرجع نفسه.

[23]  انظر المسعدي، مجلة المباحث، عدد 1، 10 أفريل 1944م.

[24]   انظر عبد المنعم الحنفي، الموسوعة الفلسفيّة.

[25]  المرجع الأوّل نفسه.

[26]  انظر عبد الرحمان البدوي، الإنسان والوجودية في الفكر العربي، دار القلم بيروت.

[27]  انظر عبد المنعم الحنفي، الموسوعة الفلسفية.

[28]  انظر الغزالي، المنقذ من الظلام ص. 13-14.

[29] انظر المسعدي، مجلة المباحث، عدد 1، سنة 1944 م.

[30]  المرجع السابق نفسه.

[31]   المرجع السابق نفسه.

[32]  انظر المسعدي في مجلة المباحث، عدد 1، سنة 1944م.

[33]  انظر المسعدي في مجلة المباحث، عدد 1، سنة 1944م.

[34]  المرجع نفسه.

[35]   انظر المنجد في اللغة والأعلام، دار المشرق بيروت.

[36]  انظر المسعدي مجلة المباحث، عدد 1 ، 10 أفريل 1944م.

 [37]  انظر المسعدي مجلة المباحث، عدد 1، 10 أفريل 1944م.

[38]  المرجع السابق نفسه.

[39]   انظر المسعدي، مجلة المباحث، عدد 1 ، 10 أفريل 1944م.

[40]  انظر المسعدي، تأصيلا لكيان، ص 21،  مأخوذة من مجلة المباحث، عدد 12، مارس 1945م.

[41]  انظر المسعدي، المباحث، عدد 1، سنة 1944م.

[42]  المرجع السابق نفسه.

[43]  المرجع السابق نفسه.

[44]  المرجع السابق نفسه.

[45]  المرجع السابق نفسه.

[46]  انظر محمود حمدي زقزوق، المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت، ص. 73.

[47]  انظر المسعدي، مولد النّسيان، ص. 20.

[48]  انظر المسعدي : مجلة المباحث الأعداد 16+14+13، سنة 1945م.

[49]  انظر كمال عمران،  الإنسان ومصيره، ج2، ص. 841.

[50]  انظر مقدّمة توفيق بكار، “حدث أبو هريرة قال “، ص.  17.

[51]  انظر المسعدي، المسافر في مولد النسيان، ص. 122 و 124 و7.

[52]  المرجع السابق نفسه.

[53]  انظرر المسعدي، “السندباد والطهارة”، ص. 138.

[54]  انظر خالد الغريبي، جدلية الأصالة والمعاصرة عند المسعدي، ص. 71.

[55]  انظر المسعدي “السندباد والطهارة”، ص. 149-151.

[56]  انظر المسعدي،  “السندباد والطهارة”، ص. 149-151.

[57]  انظر سارتر، الوجودية مذهب إنساني، ص. 22.

[58]  انظر خالد الغريبي جدلية الأصالة والمعاصرة عند المسعدي، ص. 273.

[59]  انظر خالد الغريبي، جدليّة الأصالة والمعاصرة عند المسعدي، ص. 317.

[60]  انظر خالد الغريبي، جدليّة الأصالة والمعاصرة عند المسعدي، ص. 320.

 

شارك في الحوار

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *