آخر التدوينات :

وثيــقة: صفحة من تاريخ الجهـاد السّياسي في تونس

المحكمة العسكريّة الفرنسيّة توالي سرد رأيها في الحركة الوطنيّة التّونسيّة[1]

إن الذي ذكرناه فيما تقدم كان من الأعمال التي وقعت قبل يوليو عام 1919 كما شرحتها كلّ الصّحف الإسلاميّة وتحدثت بها جميع الدّوائر الوطنية.

ولننظر الآن في الحالة النّاشئة بالمملكة التّونسية في تلك الأوقات، فالحزب التّونسي الذي نام مدّة الحرب بضغط حكومة نشيطة قد أخذ يستفيق شيئًا فشيئًا، واضمحلّت من فكره عقوبة عام 1912، حيث حلّت محلها الآمال المستمدّة من الوعود والمناشير والخُطب التي ألقيت من عدة منابر. وقد عملت أيدي الدّسائس الأجنبيّة وصحافتها، فملأ أفكاره بالنّظريّات الويلسونيّة وعلّق آماله على جمعيّة الأمم.

وكان الاعتقاد يومئذ راسخًا بأنّ جميع الأمم، صغيرة كانت أو كبيرة ستتمتّع بتقرير مصيرها وتحقق استقلالها. وليست هذه الأفكار قاصرةً على الطّبقة المستنيرة وسكّان المدن، بل تسرّبت لدى كلّ الطّبقات وعند سكان الدّواخل. وقد حملها إليهم الفلاّحون الذين رجعوا من الحرب الكُبرى ظافرين.

وأخيرًا، وفي الوقت الذي كانت فيه أوروبّا مشتّتة الشّمل مضطربة بين المعاهدات التي لم تنفّذ، وبين البلشفيّة الحربية المهدّدة، وعندما كانت الحالة الاقتصاديّة عسرة للغاية في العالم أجمع حدث أمرَان عظيمان اهتم بهما كلّ الشّعوب الإسلامية، وهما تحصيل طرابلس على القانون الأساسي وقرب تحصيل مصر على استقلال واسعٍ.

Ashoura_1927-12-22

[رابط تحميل الوثيقة ]

ففي هذه الأثناء قام المهيج عبد العزيز الثّعالبي مستخدمًا الحالة التي كوّنتها الحوادث العالمية وتأثيرها في النّفوس. وقد صرّح لنا حسن قلاّتي[2] بما دار بينه وبين الثّعالبي في يوليو عام 1919 قائلاً: أتاني الثّعالبي قبل سفره بأيّام قلائل، وتحادثنا طويلاً، وكان يكلّمني بصفة خاصّة على أفكار ويلسون، فطرحت عليه السّؤال الآتي:

 

“أتظنّ أنّ مبادئ ويلسون ستطبّق على المستعمرات، وخصوصًا المستعمرات الفرنسيّة بالشّمال الإفريقي؟ فأجابني قائلاً: “إنّي لست صبيّا، ولكنّي سأعتمد على هذه القواعد لبيان حالتنا ورغائبنا لرجال السّياسة الفرنسيّة”.

فأجبته: ” إنّه يمكنه الاعتماد على مساعدتي إذن”.

 

غير أنّ الثّعالبي هذه المرّة، بعدما حنّكته التّجارب لم يبذل مجهوداته بتونس حيث حالة الحِصار الدائمة تكون له أخطارًا جمّة، بل إنّه باتّفاق مع الحزب التّونسي سيبذل مجهوداته بباريس، حيث يعتمد على نفوذ السّياسيّين الذين يرتبط معهم منذ كان في المنفى. وهنالك يمكنه الإطّلاع على حوادث العالم، ويستخدمها حسب الظّروف لفائدة العمل الذي كرّس له ربع قرنٍ من حياته.

 

وهذه الأعمال التي قام بها الحزب التّونسي بتونس والثّعالبي بباريس من يوليو عام 1919 إلى يونيو 1920 هي التي أطلق عليها اسم مؤامرة، وهو ما سنبحث فيه. في يوليو عام 1919 لم يكن الحزب التّونسي مؤلّفًا، كما قلنا سابقًا بصورة منتظمة من أفراد معيّنين قصد إيجاد عمل مرسوم، بل صار يمثّل حركة وطنيّة اجتمع حولها أتباع كثيرون يقلّ عددهم ويتكاثر حسب الظّروف والغايات المنشودة وما يحصل من النّجاح.

 

ولنأت الآن على أسماء الذين آزروا الثّعالبي بباريس، والذين التفّوا بتونس حول محمد الرّياحي وفرحات بن عيّاد وصالح بن يحيى، وحضروا الاجتماعات والمحاورات أو نشطوا الحزب ونشروا دعوته، وأهمّهم:

 

أحمد السّقا، علي كاهية، الدّكتور القرطي، أحمد الصّافي، حسن قلاتي، محمد نعمان، الصّادق الزّمرلي، حمودة المستيري، الطّيب الجميل، حسونة العيّاشي، عبد الرّحمان اللزّام، الطاهر بن عمار، محمد التّليلي، الهادي الرّياحي، الهادي الكسوري، أحمد جعيط، الجيلاني بن رمضان، صالح بن المحجوزة، البشير عكاشة، محمد الجعايبي صاحب جريدة “الصّواب”، الطيب بن عيسى صاحب جريدة “المشير”، عبد السّلام القلى، حسونة المهداوي، المقداد الورتاني، راجح إبراهيم، الشّاذلي القطي، عبد العزيز العنّابي، أبو بكر العروسي، مصطفى بن عبد الله، الشّاذلي أبودر باله، عبد القادر القبايلي، عبد السلام البكّوش، ديدو فشموط، عمر المقدّم، مصطفى شلوش، الحبيب زويتن، رشيد بن مصطفى، محمد المقدم، محمود المبزّع، عبد اللطيف الخشين، حسن بن منا، صالح الشراقي، أحمد حمزة، محمد حجوج، العروسي المنشاوي،توفيق الفندري، روبير سوريا، إدوارد نطاف.

 

ويجب أن يضم إلى هذه القائمة ولي العهد بالمملكة التّونسية، وابنه محمد الصّالح باي (أنظر مكتوب 29 أغسطس 1919) وولي العهد هو الباي الحالي، وابنه توفّي قبل تولية أبيه الملك).

 

في يوليو عام 1919 لم يكن للحزب في وقت يقظة الحركة التّونسية اجتماعات رسميّة، بل كان أعضاؤه يتبادلون الآراء والأفكار في كلّ مكان وبكل مناسبة، حتى أنّ سفر الثّعالبي، الذي وقع بسرعة لباريس لم يعلم به كلّ أشياعه إلا بعد وقوعه. غير أنّ الثّعالبي كان يفكّر في سفره منذ أمد بعيد، حيث أنّ مذكّراته الخصوصيّة تدلّ على أنّه ابتدأ الاشتغال بتأليف “تونس الشّهيدة” ثاني يوم وصوله إلى باريس، وتدلّ نفس هذه المذكرات على أنّه تداول مليّا مع أخصائه في شأن التّقارير والمذكّرات التي حثّهم على إرسالها إليه.

كتب إليه علي كاهية في 28 يوليو 1919: “إنّي أتذكّر دائمًا ما أوصيتني عليه قبل سفرك في شأن التّقارير”.

 

وكتب إليه الصّادق الزّمرلي في 13 أغسطس 1919: “قد أطلعني صديقنا علي كاهية على عدّة فصول من التّقرير الذي ابتدأ كتابته على المسألة التّونسيّة، وإني أوافق تمام الموافقة على الطّريقة التي سلكها وعلى المسائل التي طرقها، وإنّي مشتغل بإحضار التّقارير التي طلبتها، وسأرسلها إليكم بعد أسبوع. وأمّا الإرشادات التي طلبها أحمد فإنا نشتغل بإحضارها وترتيبها، وعندما تتمّ هذه الأشغال نرسل لكم جميع هذا مع أحد التّونسيين المخلصين”.

وكتب إليه الشاذلي القسطلي في 23 أغسطس 1919: “إنّ التقرير الذي طلبته قد أنجز نصفه، والسّبب في التأخير هو مرض علي كاهية”.

 

وكتب إليه على كاهية في 2 سبتمبر 1919: “إنّ الأعمال تجري لإحضار التّقرير الذي تعرفه بنفس المعنى الذي تريده، يعني توضيح آلامنا بإنشاء رائق شديد، مع الاحتياط من اتّخاذ هيئة المسكنة كأنّنا نستجدي الصّدقات، ولم نعقب ذلك ببيان الدّواء لهذه الحالة ليفكّر كل إنسان في إيجاد ذلك، وليكون الكتاب مقبولاً سواء من الذين يروق لهم بقاء الحالة على ما هي عليه، أو الذين يميلون إلى الإصلاحات”.

 

وختامًا فقد وجد ضمن أوراق الثّعالبي تقرير مؤرخ في 30 أغسطس 1919 بخط حمّودة المستيري يتعلق بحالة الأحباس (الأوقاف)، ومنه كتب الثّعالبي فصل أراضي الأوقاف بـ”تونس الشّهيد”ة على ما يظن.

 

إنّ تصريحات الثّعالبي في تحقيق 9 فبراير 1921 قد بيّنت الحقيقة عن كيفية سفره إلى باريس، إذ قال في التّحقيق المذكور: “غادرت تونس إلى باريس يوم 10 يوليو 1919 لغايتين؛ مقصد صحّي وغاية سياسيّة، وطلب مني بعض أصدقائي أن أضمّ مجهوداتي إلى مجهودات أحمد السّقّا الذي هو بباريس منذ أربعة أشهر لاستطلاع الحالة السّياسية وإلفات نظر الفرنسيّين، وتهيئة أفكارهم لقبول المطالب التّونسية التي ستعرض”. وسلم لّه 15000 فرنك لمصاريفه الخاصة ولنفقات الأشغال. واعترف الثّعالبي فيما بعد في تحقيق 16 مارس 1921 أنّه أخذ معه قبل سفره جميع الوثائق اللاّزمة لتحرير المسائل التّونسية، يعني “تونس الشّهيدة”.

 

[1] صحيفة الشورى، العدد 161، 28 جمادى الثاني سنة 1346هـ/ 22 ديسمبر 1927م

[2] حسن قلاتي: هو المحامي التّونسي، رجل غني ومتعلم، كان من أساطين الحركة الوطنية. ثم جبن وانشقّ وكوّن حزبًا سمّاه حزب الإصلاح، وأنشأ له جريدة “النّهضة”، وهي يومية لا تزال تصدر إلى الآن. وهذا الحزب يُنظر إليه في تونس كما يُنظر في فلسطين إلى الأحزاب الخارجة على اللّجنة التنفيذية. (الشّورى)

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Visit Us
Follow Me
Tweet